مقدمة تحليلية: البدايات الأولى لمرض النبي صلى الله عليه وسلم

تُعد السيرة النبوية المطهرة سجلاً حافلاً بالدروس والعبر، وتأتي تفاصيل الأيام الأخيرة في حياتي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمثل واحدة من أكثر المحطات أثراً في نفوس المسلمين عبر التاريخ. لقد شغلت قضية "مدة مرض وفاة النبي صلى الله عليه وسلم" أذهان المؤرخين وعلماء السيرة المحدثين، نظراً لما ترتبط به هذه الفترة من أحداث جسام، وتوجيهات كبرى، ووصايا خالدة تركت بصمتها الواضحة على مسيرة الأمة الإسلامية من بعده.

في هذا المقال التحليلي المتعمق، سنتاول تفاصيل الجزء الأول من هذه الرحلة المؤثرة، مسلطين الضوء على بداية ظهور أعراض المرض على الجسد الشريف، والمدة الزمنية التي استغرقها المرض بحسب ترجيحات كبار المحققين من أهل العلم، وكيف استقبلت المدنية المنورة هذه البوادر وسط مشاعر ممتزجة بالترقب والقلق على صحة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم.

بداية ظهور الأعراض: متى وكيف بدأ المرض؟

تفيد الروايات التاريخية المعتمدة وكتب الصحاح والمغازي أن بداية شكوى النبي صلى الله عليه وسلم وبدء مرضه الشريف كانت في أواخر شهر صفر وبداية شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة. وتشير الروايات الأرجح عند جمهور العلماء، ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره، إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يشعر بالوجع والثقل في بدنه الشريف وهو عائد من جنازة في مقبرة البقيع، أو بعد عودته من زيارة بعض أصحابه، حيث ظهرت عليه علامات الحمى والصداع.

كانت البداية خفيفة في ظاهرها، لكنها حملت في طياتها ثقلاً غير معتاد لجسد بشر اصطفاه الله تعالى لأعظم رسالة. وقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قائلة: "رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَقُولُ: وَرَأْساهُ! فَقَالَ: بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ وَرَأْساهُ..."، ويدل هذا الحوار العفوي على البداية الفعلية للوعكة الصحية التي تحولت تدريجياً إلى مرض الوفاة.

كم استغرق مرض وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ (التقديرات التاريخية والترجيحات العلمية)

اختلفت أقوال العلماء والمؤرخين في تحديد العدد الدقيق لأيام مرض النبي صلى الله عليه وسلم، ويمكن إجمال أبرز تلك الروايات في النقاط التالية بناءً على التحقيق العلمي الدقيق:

  • القول الأرجح والأكثر شهرة: ذهب الجمهور الأعظم من المحدثين والمؤرخين إلى أن مدة مرض النبي صلى الله عليه وسلم كانت ثلاثة عشر يوماً، وقيل أربعة عشر يوماً. وهو ما استقرت عليه الروايات الصحيحة التي جمعت بين أحداث بداية الشكوى ويوم الوفاة.

  • رواية العشرة أيام: جزم سليمان التيمي في "المغازي" بأن مدة المرض كانت عشرة أيام، وهو أثر صححه الإمام البيهقي.

  • رواية التسعة أيام: روي عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن مدة المرض الشديد بلغت تسعة أيام.

وعند محاولة الجمع بين هذه الروايات، يرى المحققون أن الاختلاف ناتج عن احتساب بعض الروايات لبداية المرض الخفيف (الابتداء بالصداع والحمى الخفيفة مع الاستمرار في الخروج للصلاة)، بينما ركزت روايات أخرى على فترة لزوم الفراش والثقل الشديد الذي منع النبي صلى الله عليه وسلم من الخروج بنفسه لإمامة المسلمين في الصلوات، مما جعل الأيام الحاسمة للثقل تُرجيء إلى نحو عشرة إلى ثلاثة عشر يوماً إجمالاً.

أثر المرض على الأنشطة اليومية والإمامة بالصلاة

خلال الأيام الأولى من هذا المرض، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج بنفسه لتفقد أحوال المسلمين وإمامتهم في الصلوات قدر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، محاملاً على نفسه الشريفة للتأكيد على عِظم مكانة الصلاة وعموم رسالته. فلما اشتد به المرض وثقُل عليه البدن، أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يصلي بالناس، وهي الإشارة الكبرى والرمزية العميقة التي فهم منها الصحابة رضي الله عنهم حرص النبي على ترتيب بيت المسلمين الداخلي قبل رحيله.