مقدمة ابتلاء الزوجة السيئة والصبر عليه في ضوء الشريعة الإسلامية.

مدخل إلى مفهوم الابتلاء في الحياة الزوجية

الحياة الزوجية هي إحدى أعظم المحطات التي يمر بها الإنسان في رحلته في هذه الدنيا؛ فهي ميثاق غليظ وسكن نفساني، كما وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). ورغم أن الأصل في هذا الارتباط هو الطمأنينة والمودة، إلا أن الواقع البشري قد يحمل في طياته تحديات جساماً ومنعطفات قاسية، تبرز فيها اختبارات القدر الإلهي. ومن أشد هذه الاختبارات وقعاً على نفس الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، أن يبتلى بشريك حياة يخالف تطلعاته، أو يفتقر إلى مقومات المودة والأخلاق الحسنة.

وفي هذا السياق، يتساءل الكثير من الأزواج الذين ابتُلُوا بزوجة سيئة الخلق أو الطبع: هل هذه التجربة المريرة تعتبر ابتلاء من الله عز وجل؟ وكيف يجب على المؤمن التعامل مع هذا الواقع المفروض؟

أولاً: الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار

يجب أن يستحضر المؤمن دائماً حقيقة وجودية كبرى غرسها القرآن الكريم في وجدان المسلم، وهي أن هذه الدنيا ليست دار جزاء وقرار، بل هي دار ممر وابتلاء واختبار. يقول الله تعالى في سورة الملك: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور). والابتلاء لا يقتصر على المصائب المالية أو الأمراض البدنية أو فقد الأحبة، بل يتعدى ذلك ليطال أقرب الناس إلى الإنسان، بما في ذلك الزوجات والأزواج والأبناء.

وقد نبهنا القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بوضوح تام في قول الله سبحانه وتعالى: (إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم). والمقصود بالعداوة هنا ليس بالضرورة العداء الدموي، بل قد تكون عداوة صادرة عن جهل بالحق، أو تقصير في حقوق العشرة الزوجية، أو إيقاع الشريك في الفتن والمعاصي، أو تكدير صفو حياته الدينية والدنيوية. عندما يجد الزوج نفسه أمام زوجة لا تبادله الاحترام، أو تقصر في أداء واجباتها، أو تؤذيه بلسانها وأفعالها، فإن عليه أولاً أن ينظر إلى الأمر من زاوية الإيمان الشامل بقضاء الله وقدره، وأن يعلم أن الله عز وجل يبتلي عباده ليمحص قلوبهم ويختبر صبرهم.

ثانياً: مفهوم الابتلاء بالزوجة السيئة في تراثنا الإسلامي

لم يكن ابتلاء الأنبياء والصالحين بأزواجهم أمراً خافياً في التاريخ الإسلامي والتاريخ البشري عموماً. فقد ضرب لنا القرآن الكريم أمثلة حية لأناس عظماء ابتُلُوا بنساء لم يكنّ على مستوى تطلعاتهم الإيمانية أو الأخلاقية. من أبرز هذه الأمثلة زوجة نبي الله نوح عليه السلام، وزوجة نبي الله لوط عليه السلام؛ فقد كانتا تحت عبدين صالحين من عبادنا فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين.

هذه النماذج القرآنية تحمل رسالة بليغة لكل مسلم يعاني من سوء عشرة زوجته؛ وهي أن صلاح الإنسان وتقواه لا يمنعان بالضرورة من أن يبتليه الله بشريك حياة صعب المراس. فالأنبياء وهم أكمل البشر وأحبهم إلى الله، تعرضوا لهذا النوع من الابتلاء، فكان موقفهم هو الصبر والدعاء والقيام بما يرضي الله سبحانه وتعالى دون أن يدفعهم ذلك إلى التخلي عن مبادئهم أو الانحراف عن جادة الصواب.

ثالثاً: الحكمة الإلهية من ابتلاء المؤمن بالزوجة السيئة

حين ينزل البلاء بالعبد، وخصوصاً في محيطه الأسري، قد يتساءل البعض بحرقة: لماذا أنا؟ وما الحكمة من أن أعيش هذه المعاناة اليومية؟ الحِكم الإلهية من وراء الابتلاء بالزوجة السيئة كثيرة ومتعددة، ويمكن إجمال أبرزها فيما يلي:

  1. تمحيص الذنوب وتكفير السيئات: إن الابتلاءات بمثابة المطهر للروح البشرية. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكدها، إلا كفر الله بها من خطاياها). فما بالك بأذى دائم وصبر طويل على زوجة سيئة الخلق؟ إنه كفارة عظيمة للذنوب والخطايا.

  2. رفع الدرجات في الجنة: إن المنازل العالية في الآخرة لا تنال بالأماني، بل بالابتلاءات والصبر عليها. فالرجل الذي يصبر على لسان زوجته السليط، أو قلة تقديرها، أو تصرفاتها المؤذية، محتسباً الأجر عند الله، يرفع الله به درجات عظيمة لم يكن ليبلغها بصلاته أو صيامه وحده.

  3. اختبار صدق اليقين والصبر: الصبر عند الصدمة الأولى وفي بداية البلاء شيء، والصبر الطويل المستمر على بلاء يومي متجدد شيء آخر تماماً. الابتلاء بالزوجة السيئة يختبر قدرة المؤمن على ضبط النفس، والالتزام بالأخلاق الإسلامية حتى مع من يسيء إليه.

  4. التوجه الخالص إلى الله: غالباً ما تلجأ النفس البشرية إلى الله عز وجل وتكثر من الدعاء والانكسار بين يديه حين تضيق بها السبل في محيطها الأسري. هذا التعلق القلبي بالله والافتقار إليه هو من أجلّ الثمار التي يجنيها المؤمن من رحم الابتلاءات.