مقدمة: القرآن الكريم.. نور وهداية وملاذ النفوس

يُعدّ القرآن الكريم كتاب الله الخالد، وحبله المتصل بين السماء والأرض، وهو النور الذي يستضيء به المؤمنون في ظلمات الحياة، والشفاء لما في الصدور، والمنهج القويم الذي ينظم حياة المسلم عقيدةً وشريعةً وخلقاً. وقد أثنى الله تعالى على كتابه العزيز في مواضع كثيرة من تنزيله الحكيم، وبين أنه هدىً للمتقين، ورحمة للمؤمنين. ولأن العبد المؤمن بطبعه محتاج إلى ربه في كل لحظة، تبرز التساؤلات المتكررة حول كيفية التقرب إلى الله تعالى بالقرآن الكريم في أوقات الشدائد والأزمات وعند الحاجة إلى قضاء الأمور الدنيوية والأخروية.

ومن أبرز هذه التساؤلات التي يطرحها الكثير من المسلمين بحثاً عن التوجيه الصحيح والفقه السليم: هل يجوز قراءة القرآن بنية قضاء الحاجة؟ وما هو الضابط الشرعي في جمع النية بين التقرب إلى الله بعبادة التلاوة وبين طلب قضاء الحوائج الدنيوية كالتيسير، والشفاء، والرزق، وزوال الكرب؟ هذا ما سنفصله في هذا المقال العلمي المتعمق الذي يقدم تأصيلاً شرعياً شاملاً لهذه المسألة.

أولاً: مفهوم النية وأثرها في العبادات في الفقه الإسلامي

تُعتبر النية في الشريعة الإسلامية روح الأعمال وأساس قبولها، فبها يُميز العبد بين العادات والعبادات، وبها تتفاضل الأعمال وتتباين درجاتها عند الله عز وجل. وقد قعد العلماء قواعد ثابتة في أن الأعمال بالنيات، وأن لكل امرئ ما نوى.

وفيما يتعلق بتلاوة القرآن الكريم، فإن الأصل الأصيل هو أن يُقرأ ابتغاء وجه الله تعالى، ورجاء ما عنده من الأجر والثواب، والتلذذ بكلامه، وتدبر آياته، والاهتداء بهديه. غير أن الشريعة الإسلامية السمحة لم تفصل بين جلب المصالح الدنيوية المشروعة وبين التقرب إلى الله، بل جعلت العبادات وسيلةً صالحة لطلب العون الإلهي في كل شؤون الحياة.

  • النية الأساسية: هي التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بتلاوة كتابه الكريم وتدبره وابتغاء مرضاته.

  • النية التابعة (المصاحبة): كأن ينوي القارئ إلى جانب الأجر الأخروي طلب الشفاء من مرض، أو زوال هم، أو قضاء حاجة مباحة، أو تيسير أمر من أمور الدنيا.

ثانياً: آراء الفقهاء والعلماء في قراءة القرآن بقصد قضاء الحوائج

ذهب جمهور أهل العلم والفقهاء إلى جواز أن يقرأ المسلم القرآن الكريم ويرجو مع ذلك حصول مصلحة دنيوية مباحة، كشفاء مريض، أو تفريج كرب، أو قضاء دَين، أو تيسير أمر عسير، شريطة ألا تكون الدنيا هي مقصده الوحيد والأوحد بمعزل عن طلب رضا الله تعالى ودار الآخرة.

وقد استدل العلماء على ذلك بعموم الأدلة الواردة في فضل تلاوة القرآن، وبما ورد في السنة النبوية المطهرة من جواز الاستشفاء بالقرآن، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. فإذا كان القرآن قد وُصف بأنه شفاء وهدى، فإن تلاوته والتوجه إلى الله به عند نزول النوازل أو طلب الحوائج أمر مشروع لا حرج فيه، بل هو من باب التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة.

وقد وضح كبار المحققين من أهل العلم، كالإمام ابن عثيمين وغيره، أن العبد إذا جمع بين نية التقرب إلى الله تعالى بالعبادة وبين طلب خيري الدنيا والآخرة، فلا حرج عليه البتة، بل يُرجى له نيل الأجرين معاً: أجر التلاوة والعبادة، وثمرة قضاء الحاجة وتفريج الكرب، شريطة أن يكون القصد الأساسي هو التقرب إلى الله عز وجل.

شرح حكم قراءة القرآن لقضاء الحوائج ورفع الهم

يوضح هذا الفيديو تفاصيل الأحكام الفقهية المتعلقة بقراءة القرآن الكريم بقصد قضاء الحوائج وتفريج الكروب.

[3436/529] هل يجوز قراءة القرآن لقضاء الحوائج أو رفع الهم؟ - الشيخ صالح الفوزان العلامة الدكتور صالح الفوزان · 2.1K views