<article>

مقدمة في جمال الخلق النبوي

لقد اصطفى الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله وخصهم بأجمل الخصال وأكمل الصفات، وكان خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم أكملهم خَلقاً وخُلقاً. لقد جمع الله تعالى لنبيه الكريم محاسن الباطن والظاهر، فكان بدنه الشريف آية في الجمال والكمال، يفيض نوراً وبهاءً، ويأسر قلوب كل من رآه وتأمل ملامحه. إن الحديث عن الشمائل المحمدية والصفات الجسدية ليس مجرد تتبع لجمال بشري عابر، بل هو غوص في عوالم من الجلال والجمال الذي يعكس عظمة الصنعة الإلهية في هذا النبي العظيم الذي أرسله الله رحمة للعالمين.

نور الوجه وجمال المحيا

كان وجه النبي صلى الله عليه وسلم يضيء إضاءة مبهرة، وقد وصفه الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأنه كان أجمل الناس وجهاً وأحسنهم بشراً. لم يكن طويلاً مبالغاً فيه ولا قصيراً، بل كان مربوع القامة، وكان وجهه الشريف يميل إلى التقوير قليلاً كالقمر ليلة البدر، أو كالشمس تجري في السحاب. إذا سرَّ استنار وجهه حتى كأن فجته قطعة قمر. وكان البياض يعلو أديم وجهه مع حمرة خفيفة تضفي عليه رونقاً وبهجة، فلا هو بالبياض الأمهق الذي لا روض فيه، ولا بالآدم الشديد الأدمة، بل كان لونه معتدلاً وساطعاً يسر الناظرين.

وقد روى البراء بن عازب رضي الله عنه أنه سُئل: "أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟" فقال: "لا، بل مثل الشمس والقمر، وكان مربوعاً". وتلك الدقة في الوصف تعكس مدى انطباع الصحابة بجمال محياه الشريف الذي كان يملأ النفوس هيبة ومحبة. فمن رآه بديهةً هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، وكان بين عينيه خاتم النبوة، وهو شعامة سوداء أو حمراء كالزر البارز، تزيد وجهه تميزاً ونوراً.

العينان الكريمتان والكحل الطبيعي

تعتبر العينان مرآة الروح، وكانت عيناه صلى الله عليه وسلم آية من آيات الجمال الإلهي. كان واسع العينين، شديد سواد البياض، وفي بياضهما حمرة خفيفة تُعرف بالعُروق، وهي من علامات الجمال الأصيل عند العرب. وكان أهدب الأشفار، طويل الرموش، فإذا أطرق كأن رموشه تشابكت طولاً وكثافة. والأعجب من ذلك أنه كان مكحول العينين من غير إحكاح أو استعمال للكحل الصناعي، وكان بصرُه حاداً وواسعاً يرى ما خلفه كما يرى ما أمامه، وهي من الخصائص الفريدة التي اختصه الله بها.

تلك النظرة النبوية لم تكن نظرة عادية، بل كانت محملة بالحنان والرحمة والوقار، لا يمتلئ منه الناظر نظراً إلا ملك عليه لبه وقلبه. كان إذا التفت التفت بكله، لا يلتفت بطرفه فقط، وكان يطيل السكوت، ولا ينظر في وجوه الناس استقصاءً هيبةً وحياءً، فإذا نظر نظر بملء عينيه، وكانت جلالة العينين تترافق مع رقة البسمة التي لا تفارق شفتيه الكريمتين.

</article>