مقدمة في مفهوم عصمة الأنبياء والاصطفاء الإلهي

تشكل قضية "عصمة الأنبياء" واحداً من أهم المباحث العقدية والفكرية في التراث الديني الإسلامي، إذ تتقاطع فيها مفاهيم الوحي، والتكليف الإلهي، والقدوة البشرية. وحين يطرح السؤال الفضولي أو البحثي حول ما إذا كان هناك نبي مخصص لم يقع في أي نوع من أنواع الخطأ أو الذنب طوال حياته، فإننا ندخل في مساحة دقيقة تحتاج إلى تفكيك منهجي دقيق بين عصمة التبليغ، والوقوع في الكبائر، والاجتهاد البشري، وطبيعة الخطأ غير المقصود (كالسهو أو الصغائر التي يتداركها الوحي بالتقويم).

لقد اتفق جمهور علماء المسلمين وأهل السنة والجماعة على أن الأنبياء والرسل جميعاً معصومون عصمة مطلقَة فيما يتعلق بتبليغ رسالات الله سبحانه وتعالى، وبأنهم منزهون عن الكبائر والفواحش لا قبل النبوة ولا بعدها. غير أن النقاش التخصصي في التفاسير وكتب العقائد تطرق أحياناً إلى تفاصيل دقيقة حول بعض الأنبياء الذين وردت في شأنهم نصوص توحي بتميز استثنائي في خلو السجل البشري تماماً حتى من الصغائر أو الهمّ بالمعصية، مثل ما ورد في حق نبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام، استناداً إلى النصوص القرآنية التي وصفته بالسلام والاصطفاء المبكر والصفاء الروحي الفريد.

الإطار العقدي العام لعصمة الأنبياء والرسل

لتحليل هذا الموضوع بعمق، يجب أولاً إرساء القواعد التي تحكم نظرة الفكر الإسلامي للأنبياء. فالنبوات ليست مناصب تُنال بالاجتهاد البشري الرياضي أو الاكتشاف الذاتي، بل هي اصطفاء إلهي محض كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75]. ومن مقتضيات هذا الاصطفاء الإلهي أن يكون الرسول مؤهلاً تماماً ليكون أسوة حسنة وأموراً مطاعاً للناس.

  • عصمة التبليغ المطلقة: لا يُصور أي خلاف بين علماء الأمة في أن النبي لا يمكن أن يكذب على الله أو يثبت شيئاً في الوحي من تلقاء نفسه أو يخفي شيئاً مما أمر بتبليغه. فالخطأ في الشريعة أو البلاغ محال بحقهم إجماعاً.

  • النزاهة عن الكبائر: اتفقت الكلمة أيضاً على أن الأنبياء معصومون من اقتراف الكبائر والذنوب العظام طوال مسيرة حياتهم، لأن ارتكابها ينافي العدالة المطلقة ويسقط هداية القدوة في أعين الناس.

  • الاجتهاد البشري والزلات اليسيرة: وقع الخلاف أو النقاش العلمي في بعض المواضع التي تُسمّى اصطلاحاً بـ "الزلات" أو "ترك الأفضل"، مثل بعض الأفعال التي صدرت عن اجتهاد بشري بحت ولم يقرّهم الوحي عليها، بل نزل التوجيه الإلهي الفوري لتصحيحها وإرشادهم إلى ما هو أكمل، مما يُعد دليلاً إضافياً على رعاية الله المباشرة لهم وعصمتهم من الاستمرار في الخطأ.

نبي الله يحيى بن زكريا والتميز الفريد في صفحة السجل البشري

ضمن هذا السياق الواسع من طبيعة البشرية والاصطفاء، يبرز اسم نبي الله يحيى بن زكريا عليه السلام كعلامة فارقة استوقفت المفسرين والعلماء المحققين. فقد أشار الإمام ابن تيمية وغيره من أئمة الإسلام إلى دلالات النصوص الواردة في سورة مريم حول يحيى عليه السلام، ولا سيما قول الله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعثُ حَيّاً﴾ [مريم: 15]، وقوله تعالى آيَةً في حقه: ﴿وَحَيَانًا مِّن لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 13].

وقد نقل عن الإمام الشافعي وغيره من السلف آثار دقيقة تفيد بأن الله عز وجل قد خصّ يحيى بن زكريا بخصائص جعلته في مرتبة عُليا من الطهارة المطلقة حتى من الهمّ بالمعصية أو الخطأ، وهو ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه بالقول إن بني آدم كلهم قد ثبت في حقهم وقوع نوع من الخطأ أو الهمّ بالخطيئة سوى ما كان من نبي الله يحيى بن زكريا عليه السلام نظراً لطبيعة الثناء الرباني الخاص والاصطفاء القرآني المبرز لصفائه وتقواه المبكرة.

لمزيد من التوضيح حول هذا الموضوع العقدي، يمكنكم متابعة هذا التحليل المرئي المصور حول قصة نبي الله يحيى.

هذا الفيديو يلقي الضوء بشكل مبسط وموجز على مكانة نبي الله يحيى بن زكريا وسجل حياته الطاهر استناداً إلى أقوال أهل العلم.

الوحيد من بني آدم لم يخطأ هو يحيى بن زكريا | هشام الجربا عالم كوكتيل · 2.2K views