المحتويات
يرى أتباع مدرسة أهل البيت أن وفاة النبي محمد كانت في يوم الاثنين، الثامن والعشرين من شهر صفر في العام الحادي عشر للهجرة. هذا التاريخ يمثل مفصلاً تراجيدياً في الوعي الشيعي، حيث يجمع المحققون والفقهاء على أن هذا اليوم هو اليوم الذي انقطع فيه وحي السماء برحيل المصطفى. وبينما تختلف الروايات مع المذاهب الأخرى التي تميل لذكر الثاني عشر من ربيع الأول، يظل تاريخ 28 صفر هو الموعد الذي تتشح فيه الحواضر الشيعية بالسواد، معتبرين إياه لحظة الفقد الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ الإسلامي للأبد.
تأصيل الحدث: الجذور النصية والزمنية في مدرسة الإمامة
إن المسألة لا تقف عند حدود الرقم أو اليوم، بل تمتد إلى عمق المنظومة الحديثية التي يستند إليها الشيعة الإمامية. الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت، وبالأخص الصادق والباقر، تؤكد بضرس قاطع أن الوفاة وقعت في خواتيم شهر صفر. هذه الوثاقة التاريخية تنبع من قرب العترة الطاهرة من بيت النبوة؛ فهم "أهل البيت وأدرى بما فيه". الخلاف الزمني هنا ليس مجرد ترف فكري أو تباين في التقويم، بل هو انعكاس لآليات التلقي التاريخي. في حين اعتمدت مدارس أخرى على مرويات عامة، صب الشيعة جام تركيزهم على ما نقله علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، اللذان كانا في قلب الحدث، يشهدان اللحظات الأخيرة من شهيق النبي وزفيره. هذا التوقيت "28 صفر" يتسق مع سلسلة الأحداث التي سبقت الرحيل، بدءاً من حجة الوداع ومروراً بمرضه الذي استمر أياماً طوالاً، حيث تؤكد المصادر أن الضعف بدأ ينهك جسده الشريف بعد العودة من مكة بفترة وجيزة، مما يجعل من نهاية صفر تاريخاً منطقياً وعلمياً يتوافق مع تسلسل الوقائع الميدانية والسياسية في المدينة المنورة آنذاك. إننا أمام رؤية تاريخية صلبة لا تهتز أمام مرور القرون، مدعومة بإجماع يكاد يكون مطلقاً بين كبار علماء الطائفة من الكليني والصدوق وصولاً إلى المجتهدين المعاصرين.
مبضع التحليل: لماذا يصر الشيعة على "الشهادة" بدلاً من الوفاة الطبيعية؟
في الفكر الشيعي، غالباً ما يقترن ذكر رحيل النبي بمصطلح الشهادة. هذا ليس مجرد وصف عاطفي، بل هو قراءة تحليلية لنصوص تشير إلى تعرض النبي للسم في خيبر، والذي ظل تأثيره الكامن يتفاعل في جسده حتى أودى بحياته. "ما منا إلا مقتول أو مسموم"؛ هذه القاعدة الذهبية التي يؤمن بها الشيعة تنسحب على النبي الأكرم كأصل لهذه السلسلة النورانية. التحليل الشيعي يربط بين تدهور حالته الصحية المفاجئ وبين تداعيات سياسية وعسكرية معقدة كانت تعصف بالمدينة. ثمة تساؤلات يطرحها المحقق الشيعي بجرأة: لماذا استعجلت بعض الأطراف في تصوير الأمر كوفاة عادية؟ ولماذا غابت تفاصيل الساعات الأخيرة عن التدوين الرسمي في بعض المدارس؟ التركيز هنا ينصب على رزية يوم الخميس، حين منع النبي من كتابة وصيته التي كانت ستعصم الأمة من الضلال. يرى العقل الشيعي أن ثمة ترابطاً وثيقاً بين منع الكتابة وبين توقيت الرحيل، مما يضفي صبغة من الغموض والتوجس على تلك الفترة. فالنبي لم يرحل في ظروف هادئة تماماً، بل كان محاطاً بتجاذبات كبرى، ولعل هذا ما يجعل من تاريخ 28 صفر يوماً لاستذكار "المظلومية" الأولى التي تعرض لها مقام النبوة قبل حتى أن يواري جسده الثرى في حجرته الطاهرة.
الأثر العملي: كيف يشكل هذا التاريخ الهوية الشيعية المعاصرة؟
يتجاوز تاريخ 28 صفر كونه مجرد ذكرى عابرة ليتحول إلى محرك سوسيولوجي عميق في المجتمعات الشيعية. في هذا اليوم، تتعطل الحياة العامة في مدن مثل النجف، كربلاء، قم، والقطيف. الزحف المليوني نحو مرقد الإمام علي في النجف الأشرف، باعتباره الوصي والمنفذ لوصية النبي، هو تجسيد عملي لربط "المنبع" بـ "الامتداد". الشيعة يمارسون طقوس العزاء ليس ندباً على جسد غاب قبل أربعة عشر قرناً، بل إحياءً لقيم الرسالة التي يرون أنها حُرفت أو هُمشت بعد وفاته مباشرة. الممارسات التعبدية في هذا اليوم، من زيارة "النبي من بعيد" وقراءة الزيارات المخصوصة، تهدف إلى إعادة ترسيخ الولاء. الخطباء على المنابر لا يكتفون بسرد قصة الوفاة، بل يربطون بين رحيله وبين ما جرى في "السقيفة" من أحداث، معتبرين أن الانحراف بدأ منذ تلك اللحظة التي لفظ فيها النبي أنفاسه. بالتالي، يصبح 28 صفر يوماً للمراجعة السياسية والفكرية، ويوماً لتجديد البيعة لمنهج أهل البيت. إن الانغماس في تفاصيل هذا اليوم يمنح الفرد الشيعي شعوراً بالانتماء لكتلة تاريخية حافظت على "الحقيقة" وسط ركام التأويلات السلطوية، مما يحول الحزن إلى طاقة هوية صلبة قادرة على الصمود أمام التحديات المعاصرة.
الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء عند البحث في الروايات
عند البحث في مسألة تاريخ وفاة النبي محمد (ص) وفقاً للمنظور الشيعي، يقع الكثيرون في خلط ناتج عن عدم التمييز بين المناهج التاريخية المختلفة. من أبرز هذه الأخطاء هو الاعتماد على التواريخ المشهورة في المذاهب الأخرى دون الالتفات إلى خصوصية المصادر الشيعية المعتبرة مثل "الكافي" للكليني أو "إرشاد" الشيخ المفيد. هؤلاء العلماء وثقوا تاريخ 28 صفر بناءً على مرويات أهل البيت، وهو ما يمثل ركيزة الهوية الطقسية للشيعة في إحياء هذه الذكرى.
النصيحة الأهم للباحثين هي ضرورة التفريق بين "سنة الوفاة" و"يوم الوفاة". فبينما يتفق الجميع على أنها كانت في العام الحادي عشر للهجرة، يكمن التباين في التوقيت الشهري. ينصح الخبراء بمراجعة التقويم الهجري والمناسبات الدينية المعتمدة لدى الحوزات العلمية، وعدم إغفال الربط بين وفاة النبي وبين أحداث "رزية الخميس" التي يوليها الفكر الشيعي أهمية كبرى لفهم سياق الأيام الأخيرة من عمر الرسول الأكرم. كما يجب الحذر من الروايات الضعيفة التي قد تظهر في بعض كتب التاريخ المتأخرة وتخالف الإجماع المشهور لدى كبار المحدثين الإمامية.
الأسئلة الشائعة حول وفاة النبي عند الشيعة
س1: لماذا يحيي الشيعة ذكرى الوفاة في 28 صفر وليس 12 ربيع الأول؟
يعود ذلك إلى استنادهم لروايات أهل البيت الذين هم "أدرى بما في البيت". فالمصادر الحديثية الشيعية تؤكد أن وفاة النبي وقعت في أواخر شهر صفر، بينما التاريخ الآخر (12 ربيع) هو المشهور لدى مدرسة الخلفاء، وبالتالي يلتزم الشيعة بما ورد عن أئمتهم وتوارثته الأجيال في شعائرهم.
س2: هل يتفق علماء الشيعة على أن سبب الوفاة كان السم؟
نعم، يذهب المشهور من علماء الشيعة والمحققين إلى أن النبي (ص) قضى شهيداً مسموماً، مستندين إلى نصوص دينية عامة تؤكد أن الأنبياء والأوصياء لا يخرجون من الدنيا إلا بالشهادة، وإلى روايات خاصة تشير إلى أثر سم قديم تراكم في جسده الشريف.
س3: أين كان علي بن أبي طالب لحظة وفاة النبي؟
تجمع الروايات الشيعية على أن الإمام علي بن أبي طالب كان أقرب الناس للنبي في لحظاته الأخيرة، حيث فاضت روحه الشريفة في حجر علي، وهو من قام بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، بينما كان آخرون منشغلين في سقيفة بني ساعدة.
رأي المحرر النهائي
إن تحديد يوم 28 صفر كذكرى لوفاة الرسول الأعظم لدى الشيعة ليس مجرد اختلاف في الأرقام، بل هو انعكاس لمنهجية كاملة في استقاء الدين والتاريخ من باب "العترة الطاهرة". من وجهة نظرنا، يمثل هذا التاريخ نقطة مفصلية تجمع بين الحزن العميق وبين استذكار الوصايا النبوية. إن الالتزام بهذا التوقيت يعزز الوحدة الشعائرية داخل المكون الشيعي ويؤكد على استقلالية الرواية التاريخية المستمدة من مدرسة أهل البيت، مما يجعل من هذه الذكرى محطة سنوية لتجديد العهد مع المبادئ التي جاء بها خاتم الأنبياء.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.