الإجابة المختصرة والصادقة هي "نعم"، ولكنها "نعم" محفوفة بتراكمات التاريخ وألاعيب السياسة الدولية التي استغلت الفوارق المذهبية لتحويلها إلى خنادق قتالية. الحب هنا ليس بالضرورة عاطفة رومانسية، بل هو وشيجة القربى، والمصاهرة، والجيرة، ووحدة المصير التي تجمع ملايين الشيعة والسنة بعيداً عن صراعات النخب. إن محاولة حصر مشاعر طائفة كاملة تجاه أخرى في قالب واحد هي مغالطة معرفية كبرى، فالواقع الشعبي في بغداد وبيروت والمنامة يروي قصصاً من التعايش تكسر حدة الفتاوى المتشددة التي تخرج من هنا أو هناك.

الجذور والأسس: ما الذي يجمع بين المذهبين في عمق الوجدان؟

حين نغوص في أعماق التكوين العقدي، نجد أن المشتركات ليست مجرد قشور، بل هي الجوهر الذي يغفل عنه الكثيرون في زحمة "التراشق الطائفي". كلا الطرفين يؤمنان برب واحد، وكتاب واحد، وقبلة واحدة. إن مفهوم المودة في القربى الذي يركز عليه الشيعة هو ذاته التقدير الذي يكنه أهل السنة لآل البيت، وإن اختلفت التمظهرات الطقوسية. الصراعات التاريخية التي بدأت سياسية بامتياز في "سقيفة بني ساعدة" و"موقعة الجمل" لم تكن في بدايتها عداءً شعوبياً، بل كانت تدافعاً على السلطة والشرعية.

المشكلة تكمن في "تأميم" الدين لصالح الأجندات السلطوية. عبر القرون، استخدمت الإمبراطوريات، من العثمانيين إلى الصفويين، المذهب كأداة للتحشيد العسكري. هذا التوظيف خلق ذاكرة جمعية مشوهة، حيث يتم استحضار المظلوميات التاريخية لتعميق الفجوة. ومع ذلك، بقيت القواعد الشعبية لقرون تعيش في أحياء مشتركة، تتزاوج وتتشارك الأسواق والمهن. الحب في هذا السياق هو حب فطري نابع من وحدة الهوية الحضارية، حيث لا يمكن للشيعي أن يرى السني عدواً وجودياً وهو يشاركه الصلاة في الحرمين أو يتلقى منه العلم في الجامعات العريقة.

التحليل الجوهري: كيف تشكلت مشاعر "الآخر" في المخيال الشيعي؟

لفهم موقف الشيعي من السني، يجب تفكيك بنية الفكر الشيعي المعاصر، الذي ينقسم إلى تيارات متباينة تماماً. هناك التيار "الولائي" الذي قد يغلب الانتماء السياسي، وهناك التيار "التقليدي" الذي يرى في السني أخاً في الدين. المرجعيات الكبرى، وعلى رأسها السيد السيستاني، أطلقت مقولة شهيرة: "لا تقولوا إخواننا السنة، بل قولوا أنفسنا". هذه العبارة ليست مجرد دبلوماسية دينية، بل هي تأصيل فقهي يحرم الدم والمال والعرض، ويضع السني في مرتبة "النفس" التي لا يجوز المساس بها.

لكن، لا يمكننا تجاهل "الغصات" التي يسببها الخطاب التكفيري المنبثق من بعض الدوائر السنية المتطرفة، والذي يولد رد فعل دفاعي لدى الشيعة. الكراهية لا تنبع من الكتب الصفراء بقدر ما تنبع من شاشات التلفاز المحرضة. عندما يشعر الشيعي بالقبول والاحترام من جاره السني، تذوب كل الحواجز المذهبية. إنها علاقة مبنية على المعاملة بالمثل. الشعور السائد في المجتمعات الشيعية هو الرغبة في الاعتراف والتعايش، وليس الرغبة في الإقصاء. الحب هنا يتجلى في "التكافل الاجتماعي" الذي يظهر بوضوح في الأزمات والكوارث، حيث تختفي التسميات لصالح الإنسان.

التداعيات العملية: تجليات المودة في الواقع المعاش والمنغصات السياسية

الواقع العملي يشهد أن أعنف الصراعات لم تنجح في فصم عرى "الزيجات المختلطة". في العراق، يُطلق عليهم "السوشي" (Suni-Shia)، وهو مصطلح ينم عن تمازج بنيوي يستحيل فصله دون إراقة دماء كل العائلات. هذا التمازج هو أقوى دليل على أن مشاعر الحب والقبول تتفوق على نظريات الصراع. الشيعة، كأقلية في العالم الإسلامي الإجمالي، يميلون تاريخياً نحو البحث عن المشترك لضمان البقاء والاندماج، وهو ما جعل أدبياتهم المعاصرة تضج بمصطلحات "الوحدة الإسلامية" و"التقريب بين المذاهب".

ومع ذلك، تبرز المنغصات حين يتحول المذهب إلى "هوية قاتلة" بتعبير أمين معلوف. التدخلات الإقليمية حولت التباين الفقهي إلى صراع نفوذ، مما جعل البعض يتوهم أن العداء هو الأصل. الحقيقة أن الشيعي البسيط في قرى جنوب لبنان أو أرياف إيران لا يحمل ضغينة للسني في المغرب أو إندونيسيا. الخوف والقلق هما محركا الجفاء، بينما المعرفة المباشرة هي محرك الحب. إن كسر احتكار "رجال الدين المسيسين" للخطاب هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار لعلاقة المودة الفطرية التي تضررت بفعل سموم الطائفية الحديثة التي لم تعرفها المنطقة بهذا القبح قبل عقود قليلة.

تحديات التقارب ونصائح الخبراء للتعايش

رغم وجود رغبة صادقة في التقارب، إلا أن هناك عقبات موضوعية تعترض هذا الطريق، وأبرزها "الارتهان للتاريخ"؛ حيث يتم استحضار صراعات مضت عليها قرون وإسقاطها على الواقع المعاصر. يقع الكثيرون في فخ التعميم، واختزال طائفة كاملة في تصرفات تيار متشدد أو تصريح غير مسؤول من فرد، مما يغذي خطاب الكراهية.

لتحقيق تعايش حقيقي، ينصح الخبراء بتبني استراتيجية "التركيز على المشتركات". بدلاً من الخوض في المسائل العقائدية التخصصية التي تُركت للعلماء، يجب التركيز على القيم الإنسانية والوطنية. كما يُنصح بضرورة تفعيل الحوار الميداني، أي الانخراط في مشاريع اجتماعية واقتصادية مشتركة تكسر الجليد النفسي وتثبت أن مصلحة الطرفين واحدة في مواجهة تحديات العصر.

الأسئلة الشائعة حول علاقة الشيعة بالسنة

1. هل يمنع الاختلاف العقدي وجود مودة اجتماعية؟

مطلقاً، فالتاريخ والواقع يشهدان على وجود آلاف الأسر "المختلطة" وعلاقات الجوار والصداقة المتينة. الاختلاف في بعض الفروع الفقهية أو القراءات التاريخية لا يعني بالضرورة وجود عداء شخصي؛ فالمحبة ترتكز على القيم الأخلاقية والتعامل الإنساني الراقي الذي حث عليه الإسلام.

2. كيف يتعامل الشيعة مع مفهوم "الوحدة الإسلامية"؟

ينظر غالبية المفكرين والمراجع الشيعة إلى الوحدة باعتبارها ضرورة استراتيجية لحماية بيضة الإسلام. لا تعني الوحدة ذوبان مذهب في آخر، بل تعني الاحترام المتبادل والكف عن التكفير، والوقوف صفاً واحداً في القضايا الكبرى التي تهم الأمة، مثل القضية الفلسطينية ومكافحة الفقر والجهل.

3. ما دور المرجعيات الدينية في تعزيز هذه المحبة؟

للمرجعيات دور حاسم؛ فالفتاوى التي تحرم سب الرموز الدينية أو النيل من مقدسات أهل السنة كان لها أثر كبير في وأد الفتن. الخطاب المعتدل الصادر من النجف أو قم أو الأزهر هو صمام الأمان الذي يمنع الانزلاق نحو الصراعات الطائفية المدمرة.

رؤية تحريرية: المحبة كفعل لا كمجرد شعور

في الختام، الإجابة على سؤال "هل يحب الشيعة السنة؟" لا تكمن في العواطف المجردة بقدر ما تكمن في السلوك العملي. المحبة الحقيقية تتجلى في احترام خصوصية الآخر، والدفاع عنه في أوقات المحن، ورفض شيطنته. إن ما يجمع بين الطرفين من قرآن وقبلة وقيم أخلاقية يفوق بمراحل نقاط الخلاف؛ والرهان اليوم هو على الوعي الشعبي الذي يتجاوز الأجندات السياسية الضيقة ليعيد بناء جسور المودة على أسس متينة من المواطنة والوحدة الإيمانية.