المحتويات
يتلخص التعامل السني مع الشيعي في معادلة ثلاثية الأركان: الوضوح العقدي، والعدل الأخلاقي، والمصلحة الوطنية العليا. لا يطالبك الإسلام بسحق الهوية الخاصة أو الذوبان في الآخر، بل يفرض عليك إقامة القسط وصيانة الدماء والأعراض مهما بلغت درجة الخلاف في الأصول أو الفروع. التعامل ليس مجرد بروتوكول اجتماعي بارد، بل هو ممارسة واعية تفرق بين "المقام العقدي" الذي يحفظه العلماء، و"المقام المجتمعي" الذي يتسع لكل من شق تمرة أو تقاسم رغيفاً في وطن واحد، بعيداً عن صخب الفتن المتجددة.
جذور السياق: هل نحن بصدد صراع لاهوتي أم سياسي؟
تخطئ العين حين تختزل المشهد في مجرد سجالات "المنبر" و"الحسينية"، فالقضية أعمق من ذلك بكثير. إن الناظر في تاريخ الأمة يجد أن التدافع السني الشيعي لم يكن دوماً دموياً، بل تخللته قرون من التجاور التجاري والسياسي. يرتكز التعامل السني هنا على قاعدة "تحقيق المناط"؛ أي تنزيل الحكم الشرعي على الواقع المتغير. نحن أمام تراث ضخم من الأدبيات التي تضبط هذا التفاعل، حيث يبرز مفهوم "أهل القبلة" كمظلة كبرى تمنع الانزلاق نحو التكفير الشمولي الذي يحرق الأخضر واليابس. إن الإشكالية الكبرى اليوم تكمن في "تسييس المذهب"، حيث تحول الخلاف الفقهي إلى أداة جيوسياسية، وهنا يجب على السني الفطن أن يفصل بين الفرد الشيعي الذي يجاوره في السكن أو العمل، وبين المشاريع الإقليمية التي تتخذ من المذهب ستاراً. الثبات على المعتقد السني لا يعني بالضرورة العداء الشخصي، بل هو تمايز منهجي يحفظ للمرء دينه ويضمن للمجتمع سلامه. إن الوعي بالخلفية التاريخية يحمي السني من ردود الفعل العاطفية المتشنجة، ويجعله يتحرك وفق بوصلة شرعية رزينة، تدرك أن حفظ بيضة الإسلام مقدم على إثارة القلاقل التي لا تخدم إلا المتربصين بالطرفين معاً.
تشريح العلاقة: تفكيك العقد النفسية والمنهجية
عند تحليل كيمياء العلاقة بين الطرفين، نجد غابة من التوجسات التي تراكمت عبر القرون. السني، بتمسكه بمركزية الصحابة وعدالة الناقلين، يجد نفسه في مواجهة سردية شيعية تقوم على المظلومية والولاية. لكن، هل يمنع هذا "الافتراق الجوهري" من بناء جسر إنساني؟ الإجابة تكمن في مفهوم "المداراة لا المداهنة". المداهنة هي التنازل عن الثوابت لإرضاء الآخر، وهذا مرفوض شرعاً وعقلاً. أما المداراة، فهي لين الجانب وجميل الخطاب لدرء مفسدة أو جلب مصلحة، وهي من شيم النبلاء. يواجه السني اليوم تحدي "الاستقطاب الرقمي"، حيث تشحن منصات التواصل النفوس بصور نمطية مشوهة. التحليل الدقيق يوجب علينا تجاوز التعميم؛ فليس كل شيعي يحمل ذات الأجندة، وليس كل سني يتبنى خطاب الإقصاء. إن الانحباس في صراعات الماضي السحيق يورث العجز عن إدارة الحاضر. يتوجب على العقل السني أن يمارس النقد الذاتي، متسائلاً: كيف نحافظ على نقاء العقيدة دون السقوط في فخ الغلو؟ إن إدراك الفوارق "الابستمولوجية" (المعرفية) بين المذهبين يساعد في فهم لماذا يفكر الآخر بهذه الطريقة، مما يقلل من حدة الصدمة النفسية عند سماع المخالف، ويحول الصدام إلى حوار معرفي رصين، أو على الأقل إلى صمت وقور يحفظ كرامة الإنسان.
تنزيلات عملية: من التنظير إلى واقع الشارع والمؤسسة
لا يستقيم الحديث عن التعامل دون ملامسة الأرض. في بيئة العمل، والجامعة، والسوق، يظهر المحك الحقيقي لمعدن السني. القاعدة الذهبية هنا هي "البر والقسط". يقول الله تعالى: (أن تبروهم وتقسطوا إليهم)، وهذا الحكم يشمل كل من لم يرفع السيف في وجهك. التعامل اليومي يتطلب نزاهة في الخصومة وسمواً في التعامل؛ فلا يجوز بخس الشيعي حقه في معاملة مالية، ولا يجوز ظلمه في شهادة أو وظيفة بناءً على مذهبه. إن السلوك السني القويم هو أكبر دعوة صامتة للمنهج الحق. من الناحية العملية، ينبغي تجنب "الجدل العقيم" في المجالس العامة، فالمناظرات لها أهلها ومجالسها الخاصة، أما خلطها بالحياة اليومية فلا ينتج إلا الضغينة. كذلك، فإن احترام الخصوصيات المذهبية في الأماكن المشتركة يعد ضرورة حضارية. يجب على السني أن يكون رجل دولة بفكره، حتى لو لم يكن في منصب رسمي، فيقدم مصلحة الاستقرار الاجتماعي على نزوات التشفي اللفظي. إن بناء "المواطنة التعاقدية" لا يتطلب منك الإيمان بصحة معتقد الآخر، بل يتطلب منك الإيمان بحقه في الوجود وحرمة دمه وماله تحت مظلة القانون والشرع. هذا الانضباط السلوكي هو الذي يحمي المجتمعات من التفتت ويقطع الطريق على تجار الطائفية الذين يقتاتون على جثث الأوطان.
أبرز الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء للتعامل المثمر
يقع الكثيرون في فخ التعميم وإسقاط الأحكام المسبقة على الأفراد بناءً على خلفيتهم المذهبية، وهو من أخطر العقبات التي تحول دون بناء علاقة إنسانية سوية. ينصح الخبراء بضرورة الفصل التام بين "الموقف العقدي" و"المعاملة الأخلاقية"؛ فالاختلاف في وجهات النظر حول التاريخ أو بعض الفروع الفقهية لا ينبغي أن يفسد للود قضية في سياق الجيرة، العمل، أو الزمالة. من الأخطاء المتكررة محاولة فتح ملفات الجدل المذهبي في الجلسات العامة، وهو مسلك يؤدي غالباً إلى التشنج لا إلى المعرفة.
بدلاً من ذلك، ترتكز نصيحة الخبراء على مبدأ "البحث عن المساحات المشتركة". ركز على القيم الجامعة مثل الأمانة، الصدق، وحب الوطن. كما يُنصح بتجنب استخدام المصطلحات الاستفزازية أو النكات التي تحمل طابعاً طائفياً، حتى وإن كانت من قبيل المزاح، لأنها تبني جداراً من عدم الثقة. إن الاحترام المتبادل يبدأ من ضبط اللسان واحترام المقدسات والرموز التي يعظمها الطرف الآخر، مما يخلق بيئة آمنة للحوار العقلاني بعيداً عن الصدام العاطفي.
الأسئلة الشائعة حول التعامل بين السنة والشيعة
هل يجوز شرعاً تبادل الزيارات والتهاني في المناسبات الاجتماعية؟
نعم، الأصل في المعاملات هو البر والقسط. يرى جمهور العلماء والخبراء الاجتماعيين أن مشاركة الجار أو الزميل الشيعي في أفراحه ومواساته في أحزانه هي من صميم الأخلاق الإسلامية والإنسانية التي تكسر حاجز الجفاء وتعزز السلم الأهلي، مع الحفاظ على خصوصية المعتقد لكل طرف.
كيف أتصرف إذا طرح الطرف الآخر موضوعاً خلافياً حساساً؟
الذكاء الاجتماعي يتطلب هنا اللجوء إلى "أدب الانصراف". يمكنك التأكيد على أن هذه القضايا مكانها التخصصي هو كتب التراث والباحثين، وأن ما يهمنا اليوم هو التعاون فيما اتفقنا عليه. تجنب الانجرار إلى الانفعال، وحاول تحويل مسار الحديث إلى جوانب عملية تخدم المصلحة المشتركة.
ما هو الموقف من العمل المشترك في المؤسسات المهنية؟
الاحترافية هي المعيار الوحيد في بيئة العمل. يجب أن تقوم العلاقة على الكفاءة والتعاون المهني. يشدد الخبراء على أن التميز في الأداء والالتزام بأخلاقيات المهنة يذيب الفوارق المذهبية، ويجعل الاحترام قائماً على ما يقدمه الشخص من قيمة مضافة للمجتمع وليس على انتمائه الطائفي.
كلمة المحرر: الخلاصة في فلسفة التعايش
في الختام، إن التعامل بين السني والشيعي ليس مجرد بروتوكول اجتماعي، بل هو اختبار حقيقي للنضج الفكري والقيم الأخلاقية. إننا نعيش في عالم يتطلب التكاتف لمواجهة تحديات كبرى، والاستغراق في صراعات الهوية الضيقة لا يخدم إلا دعاة التفرقة. رؤيتنا الشخصية تتمثل في أن الإنسانية والمواطنة هما المظلة الكبرى التي تسع الجميع؛ فكن سفيراً لرفعة خلقك وسعة صدرك، واجعل من الاختلاف جسراً للفهم لا خندقاً للعداء.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.