الإجابة المباشرة والصادمة للبعض هي لا، ليس بالمعنى الوجودي أو العقدي الحتمي. إن اختزال العلاقة بين كبرى طوائف الإسلام في خانة "الكراهية" هو تسطيح مخل يخدم أجندات سياسية أكثر مما يعكس واقعاً لاهوتياً. الشيعة، ككيان بشري وعقدي، لا يضمرون عداءً غريزياً للسنة، بل يتحركون ضمن فضاء من التمايز الفقهي والسياسي الذي تضخم بفعل صراعات الهوية. الكراهية ليست ركناً من أركان المذهب، بل هي "عَرَض جانبي" لمرض التسييس الذي أصاب الجسد الإسلامي عبر قرون من التدافع على السلطة والشرعية.

الجذور والأسس: ما وراء القشرة الطائفية المتصلبة

حين ننبش في التربة التاريخية، نجد أن الصراع لم يبدأ كحقد قلبي، بل كخلاف دستوري حول "من يقود؟". هذا التمايز أنتج مع الوقت أدبيات "الآخر"، حيث بنى كل طرف صورته الذهنية بناءً على مواقف سياسية تحولت لاحقاً إلى قوالب عقدية جامدة. الإمامة عند الشيعة ليست مجرد منصب إداري، بل هي محور كوني، وموقف أهل السنة من هذه القضية هو ما يحدد شكل التفاعل. لكن، هل يتحول هذا الاختلاف إلى كره؟ هنا تكمن المعضلة. الأدبيات الشيعية الكلاسيكية تميز بوضوح بين "النواصب" وبين عامة المسلمين السنة. النواصب هم الفئة المحدودة التي تجاهر بعداء أهل البيت، وهم المرفوضون عقدياً، أما السواد الأعظم من السنة فهم في المنظور الشيعي "إخوة في الدين".

إن إشكالية العقل الجمعي تكمن في خلطه بين النقد التاريخي اللاذع لبعض الرموز، وبين كراهية الأحياء من الناس. نعم، هناك ممارسات طقسية أو خطابات متطرفة تطفو على السطح، لكنها لا تمثل الجوهر الصامت للمذهب. إن النخب الشيعية، عبر عصور الاجتهاد، حاولت مراراً تأطير العلاقة ضمن "الوحدة الإسلامية"، معتبرة أن الخلاف الفقهي لا يفسد للود العقدي قضية. فالمسألة إذن ليست كراهية متجذرة في الجينات الثقافية، بل هي تراكمات من سوء الفهم المتبادل الذي غذته لحظات الانكسار التاريخي والمظلومية التي باتت تشكل جزءاً من الهوية الشيعية، والتي أحياناً ما تُسقط على "الآخر" القريب بصورة خاطئة.

تحليل المحركات: لماذا تبدو الصورة قاتمة أحياناً؟

لماذا إذن يسود الانطباع بوجود كراهية؟ الإجابة تكمن في "سوسيولوجيا الهوية". عندما تشعر جماعة ما بالتهديد، فإنها تلجأ إلى تضخيم الفوارق مع الآخر لتثبيت ذاتها. الشيعة، عبر تاريخ طويل من التهميش في إمبراطوريات كبرى، طوروا لغة دفاعية قد يفهمها الجاهل بسياقها ككراهية. إن ما يراه السني "سباً" أو "لعناً"، يراه الشيعي "براءة" من نهج سياسي معين، وهو فرق جوهري في الاصطلاح والمقصد. هذا الاصطدام المصطلحي يخلق فجوة من الريبة تتغذى عليها منصات التواصل الاجتماعي اليوم، حيث يتم استحضار الفتاوى الشاذة من غياهب الكتب الصفراء وتصديرها كأنها دستور التعامل اليومي.

علاوة على ذلك، فإن الجغرافيا السياسية تلعب دور المايسترو في تحريك هذه المشاعر. التنافس الإقليمي بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط يصب الزيت على نار الخلافات القديمة. هنا، تتحول العقيدة إلى سلاح، ويتحول الجار إلى خصم. إن "شيطنة" الآخر هي استراتيجية بقاء سياسية وليست ضرورة دينية. فالفرد الشيعي في شوارع النجف أو بيروت أو مسقط لا يستيقظ مفكراً في كيفية كره جاره السني، بل تدفعه الظروف الضاغطة أحياناً لتبني مواقف حدية نتيجة الشحن الإعلامي الممنهج الذي يصور له أن الآخر يسعى لاستئصاله. إنها كراهية "مصطنعة" ومستوردة، تنهار فوراً عند أول احتكاك إنساني حقيقي بعيداً عن صخب الأيديولوجيا.

الارتدادات العملية: الواقع بين التعايش والتصادم

على الأرض، تبدو الصورة مغايرة تماماً لما يروج له منظرو الفتنة. في المجتمعات المختلطة، نجد التداخل العشائري والمصاهرة التجارية والاجتماعية تضرب بجذورها عميقاً، مما يثبت أن "الكره" المزعوم هو فقاعة تنفجر أمام المصالح المشتركة والعيش الواحد. ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود تيار "راديكالي" داخل البيت الشيعي يقتات على إثارة النعرات، تماماً كما يوجد نظيره في الجانب السني. هذا التيار يستخدم لغة إقصائية متشنجة تعطي الانطباع بأن الكراهية هي الأصل. لكن الحقيقة أن هذه الأصوات، رغم ضجيجها، تظل منبوذة من المرجعيات الرصينة التي تؤكد دائماً على حرمة الدم والعرض والمال السني.

إن الممارسة العملية للدين عند الإنسان الشيعي البسيط تركز على الولاء لأهل البيت أكثر من التركيز على العداء للآخر. الفرق هنا شاسع؛ فالأولى عاطفة إيجابية لبناء الذات، والثانية طاقة سلبية للهدم. عندما يزور الشيعي مراقده المقدسة، هو يبحث عن شفاعة وروحانية، ولا يبحث عن منبر لشتم المخالفين، إلا في حالات الشذوذ الفكري. إن تصحيح المسار يتطلب شجاعة في نقد التراث الذي يحرض على الفرقة، وهو أمر بدأ يتبلور في أوساط المثقفين الشيعة الذين يدركون أن الكراهية هي سجن للذات قبل أن تكون أذى للآخر، وأن الاندماج في الفضاء الإسلامي الرحب هو الضمانة الوحيدة للبقاء في عالم لا يحترم الكيانات الممزقة.

تحديات شائعة ونصائح لتجاوز الصور النمطية

من أبرز التحديات التي تواجه الساعين لفهم طبيعة العلاقة بين المكونين هي التعميمات الجائرة التي تطلقها منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث يتم غالباً اختزال طائفة كاملة في تصرفات "أقلية متطرفة" أو فتاوى شاذة لا تمثل المتن العام للشيعة. يقع الكثيرون في فخ الإسقاط التاريخي، أي استحضار صراعات سياسية حدثت قبل قرون وإسقاطها على الواقع المعاصر وكأنها معارك حية، مما يولد شعوراً زائفاً بالعداء المستمر.

لتجاوز هذه العقبات، ينصح الخبراء بتبني منهجية التثبت من المصادر الموثوقة، والتركيز على "فقه المشتركات" بدلاً من الغرق في التفاصيل الخلافية. من الضروري إدراك أن الاختلاف المذهبي هو تنوع داخل إطار التوحيد، وليس بالضرورة عداءً وجودياً. كما يُنصح بالانفتاح على الحوار الإنساني المباشر، فالتجربة أثبتت أن الاحتكاك الواقعي في مجالات العمل والتعليم يذيب الجليد الذي تصنعه الخطابات المؤدلجة. إن المفتاح يكمن في تغليب الهوية الوطنية والقيم الإنسانية على التراشق الكلامي الرقمي.

الأسئلة الشائعة حول العلاقة بين الطرفين

1. هل توجد فتاوى شيعية تحرم الإساءة لرموز السنة؟

نعم، أصدر كبار مراجع الشيعة، وعلى رأسهم السيد علي السيستاني ومرشد الثورة في إيران، فتاوى صريحة تحرم النيل من مقدسات أهل السنة أو سب الصحابة وأمهات المؤمنين. هذه الفتاوى ليست مجرد مجاملات سياسية، بل تستند إلى مبدأ شرعي يهدف لحفظ "بيضة الإسلام" ومنع الفتنة المذهبية التي لا تخدم سوى أعداء الأمة.

2. لماذا نرى مظاهر توتر في بعض المناطق العربية؟

غالباً ما يكون التوتر ناتجاً عن تسييس المذاهب وليس عن أصل العقيدة. الصراعات الإقليمية على النفوذ تستخدم الهوية المذهبية كأداة للتعبئة وحشد الأنصار. لذا، فإن ما يظهر كخلاف ديني هو في جوهره تنافس سياسي على القوة والموارد، يتم تغليفه بشعارات طائفية لرفع منسوب العاطفة لدى الأتباع.

3. كيف يمكن بناء جسور الثقة بين الشباب من الطائفتين؟

البداية تكون عبر التعليم المتبادل؛ أي تعلم كل طرف عن الآخر من خلال مصادره الأصلية لا من خلال ما يقوله خصومه عنه. تشجيع المبادرات المشتركة في العمل التطوعي، والرياضة، والفنون، يساهم في بناء ذاكرة جمعية إيجابية تتجاوز الموروثات السلبية، وتؤكد أن التعايش هو الخيار الوحيد المستدام.

خلاصة الرأي التحريري

في نهاية المطاف، الإجابة على سؤال "هل يكره الشيعة السنة؟" لا يمكن أن تكون بنعم أو لا بشكل مطلق، لكن المؤشرات الواقعية والشرعية تؤكد أن الأصل هو الأخوة والتعايش. إن الكراهية ليست متأصلة في العقيدة الشيعية تجاه السنة، بل هي دخيلة يغذيها الجهل والتوظيف السياسي. إن مستقبل المنطقة مرهون بالانتقال من "ص