المحتويات
نعم، وبشكل قاطع لا يقبل التأويل أو المهادنة؛ الشيعة يؤمنون بالله رباً واحداً أحداً صمداً، لا شريك له في ملكه ولا شبيه له في خلقه. هذا هو المبتدأ والخبر، والجوهر الذي تقوم عليه أركان مذهبهم الإمامي الاثني عشري. إن التشكيك في توحيد الشيعة غالباً ما ينبع من خلط منهجي بين "أصل العقيدة" وبين "وسائل التوسل" أو "الولاية"، لكن القراءة الفاحصة لمتونهم الكلامية وفلسفتهم الوجودية تكشف عن تنزيه مطلق للخالق، يتجاوز أحياناً التجسيم الذي قد يقع فيه غيرهم، حيث يعتبرون التوحيد الركيزة التي لا يستقيم بدونها إسلام ولا إيمان.
الجذور والأسس: فلسفة التوحيد في الفكر الشيعي
يرتكز الإيمان بالله عند الشيعة على مبدأ التنزيه المطلق. الله عندهم ليس كمثله شيء، وهو منزه عن الزمان والمكان، وعن التشبيه بصفات المخلوقين. يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في نهج البلاغة: "أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده". هذه المقولة ليست مجرد إنشاء بلاغي، بل هي دستور عقدي يوضح أن المعرفة الحقيقية تبدأ بنفي الأنداد والأشباه. إن الشيعة يرون أن الله بسيط الحقيقة، لا جزء له ولا تركيب، وهو ما يسمونه "التوحيد الذاتي".
تتعمق المدرسة الشيعية في تفاصيل توحيد الصفات، حيث يعتقدون أن صفات الله (كالعلم والقدرة والحياة) هي عين ذاته، وليست صفات زائدة عليها كما يرى الأشاعرة مثلاً. هذا التدقيق الكلامي يهدف إلى صيانة وحدانية الذات الإلهية من أي تعدد قد يوحي به كثرة الصفات. في الصلاة، وفي دعاء "الصباح" و"كميل"، تفيض الكلمات بتعظيم الخالق والاعتراف بسلطانه المطلق، مما يجعل اتهامهم بعبادة غير الله ضرباً من الجهل بالواقع المعاش وبالنصوص القطعية التي يتداولونها آناء الليل وأطراف النهار. الله هو المركز، وهو الغاية، وهو المحرك الأول لكل فعل عبادي، وما دون ذلك هم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
التحليل الجوهري: لماذا يقع اللبس في فهم توحيد الشيعة؟
يكمن مكمن "السوء فهم" لدى المتربصين أو الباحثين السطحيين في مفهوم الولاية والتوسل. يعتقد الشيعة أن الأنبياء والأئمة هم "خلفاء الله" في أرضه، وأن حبهم هو طريق لحب الله، لا استقلالاً عنه. هنا يجب التفريق بوضوح بين "الألوهية" و"الوسيلة". عندما ينادي الشيعي "يا علي"، فهو لا يعتقد أن علياً يخلق أو يرزق من دون الله، بل يستشفع بوجاهة هذا العبد المقرب عند خالقه. هذا التمييز الدقيق هو الحد الفاصل بين الشرك والتوحيد في نظرهم.
إن العقل الشيعي يرفض التفويض (أي أن الله فوض الخلق للأئمة) كما يرفض الجبر. هم يؤمنون بـ "أمر بين أمرين". هذا الموقف الوسطي ينسحب على علاقتهم بالله؛ فهو الخالق المتصرف، والعلة الفاعلة في كل الوجود. والتدبر في زيارة "أمين الله" -وهي من أوثق النصوص لديهم- يكشف عن روحية تذوب في خشية الله؛ إذ تبدأ بالسلام على ولي الله لتنتهي بـ "اللهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك، مولعة بذكرك ودعائك". هل يمكن لمن يشرك بالله أن يصيغ مثل هذه التضرعات التي تجعل القلب معلقاً بالعرش وحده؟ إن الإشكالية تاريخية وسياسية أكثر منها عقدية، حيث استخدم التكفير كأداة لتمزيق النسيج الاجتماعي عبر القرون.
الآثار العملية والعبادية: كيف يتجلى الإيمان في السلوك؟
يتجلى إيمان الشيعة بالله في منظومة العبادات اليومية التي لا تختلف في جوهرها عن بقية المسلمين. الشهادة الأولى في الأذان والإقامة هي "أشهد أن لا إله إلا الله"، وهي الركن الأساسي الذي لا تصح بدونه الصلاة. الصلاة الشيعية تبدأ بتكبيرة الإحرام "الله أكبر"، وتنتهي بالتسليم لله. في السجود، وهو أعلى مراتب الخضوع، يضع الشيعي جبهته على الأرض (أو ما أنبتت من غير المأكول والملبوس) خضوعاً وتذللاً لعظمة الخالق.
علاوة على ذلك، يظهر التوحيد في مبدأ العدل الإلهي، وهو أصل من أصول الدين عند الشيعة. يؤمنون بأن الله عادل لا يظلم مثقال ذرة، وأنه كلف العباد بمقتضى عقولهم. هذا الإيمان يدفع الفرد الشيعي لتحمل مسؤولية أفعاله، لعلمه أن هناك رباً رقيباً سيحاسبه بالعدل والفضل. الإيمان بالله هنا ليس فكرة مجردة، بل هو دافع أخلاقي واجتماعي. إن الصوم، والحج إلى بيت الله الحرام، والزكاة، كلها شعائر يتقربون بها إلى "الله" وحده. إن اتهام مذهب يمتلك تراثاً مثل "الصحيفة السجادية" -التي تسمى زبور آل محمد والمخصصة بالكامل لمناجاة الله- بالشرك، هو مفارقة صارخة تتجاهل آلاف الصفحات من التراث الروحي الذي يقدس الذات الإلهية تقديساً مطلقاً.
تجاوز الصور النمطية: نصائح الخبراء للفهم الصحيح
عند البحث في معتقدات الشيعة حول الألوهية، يقع الكثيرون في فخ السطحية أو الاعتماد على مصادر غير موثقة. النصيحة الأولى للباحث هي العودة إلى أمهات الكتب الشيعية مثل "كتاب التوحيد" للشيخ الصدوق، بدلاً من الاكتفاء بما يُنشر في منصات التواصل الاجتماعي. يجب التمييز بدقة بين أصول الدين التي هي محل إجماع، وبين بعض الطقوس الشعبية التي قد يُسيء البعض تفسيرها على أنها ابتعاد عن التوحيد.
من الضروري أيضاً فهم المصطلحات الكلامية التي يستخدمها علماء الشيعة؛ فرفضهم للتشبيه والتجسيد نابع من تنزيه مطلق لله تعالى. الخبراء يؤكدون أن التوسل عند الشيعة لا يعني إشراك غير الله في الخلق أو التدبير، بل هو طلب الدعاء من "الوجهاء عند الله" مع الاعتقاد الكامل بأن الله هو مسبب الأسباب والضار والنافع وحده. لتجنب اللبس، ركز دائماً على النصوص الرسمية وفتاوى المراجع الكبار التي تحرم الغلو وتؤكد على وحدانية الله المطلقة.
الأسئلة الشائعة حول إيمان الشيعة بالله
1. هل يعتقد الشيعة بوجود إله غير الله؟
بالتأكيد لا. الركن الأول من أركان الإيمان عند الشيعة هو التوحيد. يؤمن الشيعة بأن الله واحد أحد، فرد صمد، ليس له شريك في ملكه، ولا يشبهه شيء من خلقه. أي قول بخلاف ذلك يعتبر خروجاً عن المذهب وعن ملة الإسلام بإجماع فقهائهم.
2. ما معنى قول الشيعة أن الأئمة هم "وجه الله"؟
هذا التعبير مجازي بامتياز، ويقصد به أن الأئمة هم الأدلاء على الله والسبيل لمعرفة دينه وأحكامه. لا يعني ذلك أبداً حلول الذات الإلهية فيهم، بل هم عباد مكرمون، ووصفهم بـ "وجه الله" يشير إلى أنهم الجهة التي يُتقرب بها إلى طاعة الله واتباع أوامره.
3. هل يشرك الشيعة في العبادة عند زيارة الأضرحة؟
المبدأ الفقهي الشيعي ينص على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده. السجود والصلاة في العتبات المقدسة تُؤدى لله بنية القربة إليه، وزيارة الأضرحة هي نوع من تكريم أولياء الله. المراجع الشيعية تحذر صراحة من أي فعل يوحي بعبادة غير الله وتعتبره شركاً محظوراً.
كلمة المحرر: الحكم النهائي
بعد تحليل معمق للمتون العقدية والفقهية، يتضح بجلاء أن الشيعة يؤمنون بالله إيماناً توحيدياً خالصاً. التشكيك في هذا الجانب غالباً ما ينبع من صراعات سياسية أو سوء فهم للمصطلحات الفلسفية المعقدة. الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن "لا إله إلا الله" هي المحور الذي تدور حوله كل عباداتهم وتشريعاتهم. إن احترام التنوع داخل الدائرة الإسلامية يبدأ من الاعتراف بالأصول المشتركة، وأولها وأهمها وحدانية الخالق.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.