المحتويات
الله عز وجل هو الخالق الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، هو المبدئ والمعيد والمخترع لكل ذرة في هذا الفضاء السحيق؛ هذا هو الجواب القاطع والنهائي لدى الشيعة الإمامية. لا شريك له في خلقه، ولا ظهير له في تدبيره، بل استخلص المشيئة من كينونته ليبدع الوجود من العدم المحض. أي حديث عن "خالق" غير الله في الفكر الشيعي هو انحراف عن جادة الصواب وخلط شنيع بين الأصول العقدية والاصطلاحات العرفانية المعقدة التي قد يسيء البعض فهمها.
الجذور والمباني: التوحيد الذي لا يقبل التجزئة
حين نغوص في أعماق التراث الشيعي، نجد أن التوحيد ليس مجرد خانة في سجل العقائد، بل هو العمود الفقري الذي تقوم عليه كل البنى الفكرية. يصر علماء الشيعة، استناداً إلى نهج البلاغة والصحيفة السجادية، على أن الله خالق لا بآلة، وصانع لا بحركة. هذا الوجود الذي نراه ليس إلا فيضاً من جوده. لكن، وهنا تبرز "البربلكسيتي" أو الحيرة المعرفية، كيف يتصل القديم المطلق بالحادث النسبي؟ يرفض الفكر الشيعي "التفويض" الذي يقول بأن الله خلق محمداً وعلياً ثم فوض إليهما خلق العالم، كما يرفض "الجبر" الذي يلغي الإرادة. إنهم يؤمنون بأن الله هو الخالق المباشر، لكنه جعل لكل شيء سبباً. فكما أن المطر ينبت الزرع بإذن الله، فإن هناك وسائط غيبية تعمل بأمره. هذا التمييز الدقيق بين الخالقية الاستقلالية (لله وحده) وبين الوساطة في الفيض هو ما يغيب عن أذهان الكثيرين، مما يفتح الباب لاتهامات الغلو التي يبرأ منها المحققون من كبار الفقهاء والفلاسفة الشيعة كصدر المتألهين والشيخ المفيد.
التشريح العميق: نفي التجسيم وإثبات التنزيه
تتسم الرؤية الشيعية بصرامة منقطعة النظير في نفي التجسيم؛ فالله ليس جسماً ولا صورة، ولا يحده زمان ولا يحويه مكان. "من حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله". الخالق في هذه المدرسة هو الحقيقة التي تفوق الوصف، وكل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم. هنا تكمن العقدة: إذا كان الله بعيداً عن التشبيه إلى هذا الحد، فمن الذي يباشر الخلق؟ الإجابة تكمن في "المشيئة". المشيئة عند الشيعة هي أول ما خلق الله، ومنها انبثق كل شيء. يرى العرفاء الشيعة أن الحقيقة المحمدية أو "النور الأول" هو المرآة التي تجلى فيها الخالق ليُعرف، لكن هذه المرآة تظل مخلوقة، فقيرة، محتاجة في كل لحظة إلى المدد الإلهي. إنها علاقة "المعنى بالحرف"، فالحرف لا يظهر إلا بالمعنى، والمعنى لا يُعرف إلا بالحرف، لكن المعنى يظل هو الأصل والموجد. هذا التحليل الفلسفي يكسر حدة الفهم السطحي الذي يظن أن هناك قوى متصارعة أو شركاء في عملية التكوين، فكل ما سوى الله هو محض فقر وتلاشٍ أمام جبروت عظمته.
التجليات العملية: أثر العقيدة في السلوك والعبادة
هذا الفهم المتجذر لخالقية الله ينعكس بشكل صارخ على شعائر الشيعة وحياتهم اليومية. عندما تسمع شيعياً ينادي "يا علي" أو "يا حسين"، فإنه في عمق وعيه العقدي لا يناديهم كخالقين أو أرباب، بل يتوسل بهم كوجهاء عند الخالق الأوحد. هذا التمييز بين الخالق والوسيلة هو جوهر الممارسة الشيعية. العقيدة هنا تلزم الفرد بأن لا يسجد إلا لله، ولا يذبح إلا لله، ولا يطلب الرزق في نهاية المطاف إلا من مسبب الأسباب. إن إدراك أن الله هو الذي خلق الكون بكل تفاصيله يجعل المؤمن الشيعي يرى في الأئمة آيات دالة على عظمة الله، لا أنداداً له. هذا اليقين يولد حالة من الطمأنينة الروحية؛ فالمؤمن يعلم أن الكون ليس غابة من القوى العشوائية، بل هو منظومة محكمة صاغتها يد القدرة الإلهية، وجعلت لصفوة الخلق دوراً تشريفياً وتوسطياً في إيصال الهداية والرحمة، مما يجعل الرابطة بين العبد وخالقه تمر عبر ممرات من النور والجمال المعرفي الذي لا يخدش طهارة التوحيد.
تنبيهات منهجية ونصائح الخبراء حول المفهوم
عند البحث في مسألة الخلق في الفكر الشيعي، يقع الكثيرون في خلط بين الخلق الاستقلالي والواسطة في الفيض. من الأخطاء الشائعة تصور أن القول بالوسائط (كأنوار النبي وأهل بيته) يعني مشاركة الخالق في ألوهيته، بينما يشدد علماء الشيعة على أن هؤلاء "علل غائية" ومجرد وسائط بمشيئة الله، تماماً كما هو دور الملائكة في تدبير الأمور. ينصح الخبراء بضرورة العودة إلى أمات الكتب مثل "كتاب التوحيد" للشيخ الصدوق، وتجنب الاعتماد على الروايات الضعيفة أو التفسيرات الغالية التي ينبذها المحققون.
نصيحة ذهبية لكل باحث: يجب التمييز بين عالم الإمكان وعالم الوجوب؛ فالله وحده هو "واجب الوجود" الذي أوجد الكون من العدم (إبداعاً)، وكل ما سواه هو "ممكن الوجود" يفتقر إليه في كل لحظة. إن استيعاب هذه الدقة الفلسفية يحمي الباحث من الانزلاق نحو مفاهيم خاطئة مثل التفويض أو الحلول، ويوضح كيف يجمع المذهب الشيعي بين تنزيه الذات الإلهية المطلق وبين تكريم المقامات النورانية في منظومة الوجود.
الأسئلة الشائعة حول خلق الكون
هل يعتقد الشيعة أن الأئمة هم من خلقوا الكون؟
الإجابة القاطعة هي لا. يعتقد الشيعة إجماعاً أن الخالق والرزاق والمحيي والمميت هو الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. أما ما يرد في بعض النصوص حول دورهم، فهو يشير إلى مفهوم "الواسطة" أو "السببية" بإذن الله، مثلما يحيي عيسى عليه السلام الموتى بإذن الله، دون أن يكون خالقاً مستقلاً.
ما معنى عبارة "لولاك لما خلقت الأفلاك" في التراث الشيعي؟
تُفهم هذه العبارة ضمن نظرية "العلة الغائية". ومعناها أن الله خلق الكون ليكون مسرحاً للتكامل البشري، وبما أن النبي وأهل بيته يمثلون قمة هذا الكمال والعبودية، فهم الغاية من إيجاد هذا النظام. فالله لم يخلق الكون لحاجته إليه، بل ليعرف ويعبد، وهؤلاء هم أدلُّ الخلق على معرفته وعبادته.
ما الفرق بين نظرة الشيعة ونظرة المذاهب الأخرى للخلق؟
يتفق الشيعة مع عموم المسلمين في أصل التوحيد، لكنهم يتميزون بعمق النظرة الفلسفية والعرفانية. فبينما يركز البعض على الخلق المباشر بكلمة "كن"، يرى الشيعة (خاصة في مدرسة الحكمة المتعالية) أن الخلق هو تجلٍ إلهي مستمر عبر مراتب تبدأ من العقل الأول وصولاً إلى المادة، مع الحفاظ على التباين الكامل بين الخالق والمخلوق.
رأي المحرر النهائي
إن الرؤية الشيعية لمسألة خلق الكون هي مزيج فريد بين النص النبوي والبرهان العقلي. هي رؤية ترفض التشبيه وتتمسك بالتنزيه المطلق، لكنها في الوقت ذاته لا تفصل الخالق عن خلقه فصلاً ميكانيكياً، بل تراه حاضراً بفعله وتدبيره عبر وسائط شرفها بمشيئته. الخلاصة هي أن الله هو المبدع الأول والآخِر، وكل ما سواه آيات تدل على عظمته وسلطانه.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.