المحتويات
الإجابة المباشرة والقطعية هي نعم، يوجد شيعة في الأردن، لكنهم لا يشكلون كتلة ديموغرافية ضخمة أو تنظيماً سياسياً بارزاً كما هو الحال في لبنان أو العراق. هذا الوجود يتسم بالهدوء التام والاندماج العميق في نسيج الدولة الأردنية، حيث يتوزعون بين عائلات ذات جذور تاريخية قديمة، ومجموعات وافدة استقرت لأسباب اقتصادية أو سياسية، بعيداً عن صخب التجاذبات المذهبية التي تحرق المنطقة، مما يجعل ملفهم موضوعاً شائكاً يمزج بين التسامح الهاشمي والحذر الأمني المبرر.
الجذور والأسس: خريطة الوجود والنشوء التاريخي
البحث في المسألة الشيعية داخل المملكة الأردنية الهاشمية يتطلب مشرطاً جراحياً لفصل التوهمات السياسية عن الواقع المجتمعي المعاش. تاريخياً، لم يكن الأردن يوماً بؤرة للصراع السني الشيعي، بل كان محطة استقرار. العائلات الشيعية الأردنية، "الأصلية" إذا جاز التعبير، تتركز بشكل لافت في شمال المملكة، وتحديداً في محافظة إربد وقرية "المغير"، حيث تعيش عائلات مثل عائلة "البياري" و"سعد" وغيرها، وهم مواطنون أردنيون كاملو الأهلية، انصهروا في المنظومة العشائرية الأردنية لدرجة أن الجار قد لا يعرف المذهب العقدي لجاره. هؤلاء يمثلون الرعيل الأول الذي لم يأتِ نتيجة تحولات جيوسياسية حديثة، بل هم امتداد طبيعي لبلاد الشام الكبرى.
بيد أن المشهد تعقد عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث تدفقت موجات بشرية هائلة نحو عمان. بين مئات الآلاف من العراقيين، برز تواجد شيعي "عابر" أو "لاجئ" أعاد تسليط الضوء على هذه الهوية. هنا، تحول السؤال من "هل هم موجودون؟" إلى "كيف يتموضعون؟". الدولة الأردنية، بشرعيتها الهاشمية التي تستند إلى آل البيت، تتعامل بحساسية مفرطة؛ فهي من جهة ترفض "التشييع" المسيس المدعوم من قوى إقليمية، ومن جهة أخرى تحترم حرية الاعتقاد الشخصي لمواطنيها. هذا التوازن الدقيق هو ما منع تحول هذا الوجود إلى "قضية" أو "أقلية مطهدة"، فالأردن يرفض منطق المحاصصة الطائفية جملة وتفصيلاً.
التحليل الجوهري: التموضع السياسي والاجتماعي المعاصر
عند تشريح الواقع الحالي، نجد أن "الشيعة في الأردن" ليسوا كتلة واحدة صماء. يمكن تصنيفهم إلى ثلاث دوائر مركزية. الدائرة الأولى هي المواطنون الأردنيون الذين يعتنقون المذهب الجعفري، وهؤلاء يمارسون شعائرهم في بيوتهم أو في مراكز محدودة جداً، دون ضجيج، ملتزمين بقانون الدولة. الدائرة الثانية هي العراقيون واللبنانيون المقيمون، وهم يشكلون الثقل الاقتصادي في مناطق مثل "عبدون" و"الصويفية"، حيث استثماراتهم بالمليارات، وهؤلاء يفضلون "التقية السياسية" لضمان استقرار أعمالهم في بيئة سنية محافظة.
أما الدائرة الثالثة، وهي الأكثر إثارة للجدل، فتتمثل في السياحة الدينية. مزارات الصحابة في "المزار الجنوبي" بمحافظة الكرك، وتحديداً ضريح جعفر بن أبي طالب (جعفر الطيار)، تمثل نقطة جذب عالمية للشيعة. هنا يبرز ذكاء الدولة الأردنية؛ إذ استثمرت في تطوير هذه المقامات مع فرض رقابة صارمة لمنع تحولها إلى منصات للتعبئة الأيديولوجية. الصراع الصامت يدور حول رغبة إيران في تسييل هذه السياحة إلى نفوذ، يقابله صدّ أردني رسمي وشعبي يرى في ذلك تهديداً للأمن القومي. إذاً، الوجود الشيعي في الأردن هو وجود "وظيفي" أو "اجتماعي" وليس "سلطوياً"، وهو ما يفسر غياب أي تمثيل حزبي شيعي في البرلمان أو الحكومة.
التداعيات العملية: العيش المشترك وتحديات المستقبل
ماذا يعني هذا الوجود على أرض الواقع؟ التداعيات تظهر في عدة مستويات. اجتماعياً، هناك حالة من التوجس الشعبي تتغذى على أخبار الصراعات في دول الجوار، مما يجعل الشيعي الأردني حريصاً على إظهار ولائه للدولة والعرش الهاشمي فوق أي انتماء مذهبي. قانونياً، لا يوجد اعتراف رسمي بالمذهب الجعفري كمذهب للأحوال الشخصية في المحاكم الأردنية، مما يضطر الأفراد لاتباع القوانين المستمدة من المذهب الحنفي في الزواج والميراث، وهو ما يقبله المجتمع الشيعي هناك كضريبة للاندماج والسلم الأهلي.
من الناحية الأمنية، تعتبر الأجهزة الاستخباراتية ملف "الخلايا النائمة" أو "التغلغل الثقافي" أولوية قصوى. الأردن يدرك أن موقعه الجغرافي يجعله مطمعاً لعمليات "تصدير الثورة"، لذا نجد أن أي محاولة لبناء "حسينيات" علنية تواجَه بالرفض القاطع. هذا الحزم لا يُصنف كقمع ديني، بل كإجراء وقائي لحماية "الوسطية الأردنية". في المحصلة، يعيش الشيعة في الأردن كجزء من الصمت السائد، هم خيوط في السجادة الأردنية، لكنهم خيوط تختار ألا تبرز ألوانها بوضوح حفاظاً على وحدة الصورة الكلية للمملكة، وسط إقليم مضطرب لا يرحم التمايزات.
أخطاء شائعة ونصائح الخبراء عند دراسة الوجود الشيعي
عند البحث في مسألة الوجود الشيعي في الأردن، يقع الكثيرون في خطأ الخلط بين التواجد السكاني والنشاط السياسي؛ فالحقيقة أن الغالبية العظمى من الشيعة في المملكة، سواء من المواطنين ذوي الأصول المتعددة أو اللاجئين العراقيين، يميلون إلى الانصهار المجتمعي بعيداً عن التكتلات الطائفية. نصيحة الخبراء هنا هي ضرورة التفريق بين "التشيع العقدي" و"التشيع السياسي"؛ فالأردن دولة تقوم على شرعية هاشمية تحترم آل البيت، مما يجعل التقدير لرموز الشيعة جزءاً من الثقافة العامة وليس بالضرورة مؤشراً على انتماء طائفي.
خطأ آخر يتمثل في تضخيم الأرقام بناءً على أعداد اللاجئين؛ إذ تشير الدراسات الرصينة إلى أن الممارسات الدينية الشيعية في الأردن تتم في إطار خاص وفردي غالباً، التزاماً بالقوانين التي تمنع التجييش الطائفي. لذا، يجب على الباحث الاعتماد على التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الأوقاف أو مراكز الدراسات الإستراتيجية، وتجنب الشائعات التي تربط كل حراك ديموغرافي بأجندات خارجية، مع التركيز على أن الاستقرار المجتمعي الأردني ينبع من الهوية الوطنية الجامعة التي تتقدم على أي اعتبارات فرعية.
الأسئلة الشائعة حول الشيعة في الأردن
هل توجد مساجد أو حوزات علمية شيعية رسمية في الأردن؟
لا توجد في الأردن مساجد مسجلة رسمياً تحت مسمى "مساجد شيعية" أو حوزات تعليمية، حيث تخضع جميع دور العبادة لإشراف وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية التي تتبع المنهج السني. الممارسات الدينية للطائفة الشيعية غالباً ما تتم بشكل خاص أو في إطار البعثات الدبلوماسية والمراكز الثقافية لبعض الدول.
ما هي المناطق التي يتواجد فيها الشيعة بكثرة؟
لا يمكن حصر الشيعة في جغرافيا محددة، لكن يتركز وجود العراقيين (الذين يضمون نسبة من الشيعة) في العاصمة عمان، خاصة في مناطق مثل الجبيهة وتلاع العلي. أما المواطنون الأردنيون من أتباع المذهب الشيعي، فهم عائلات محدودة موزعة في عمان وإربد، ويعيشون ضمن نسيج مجتمعي متناغم تماماً.
كيف يتعامل القانون الأردني مع معتنقي المذهب الشيعي؟
يكفل الدستور الأردني حرية ممارسة الشعائر الدينية لجميع المواطنين، طالما أنها لا تخل بالنظام العام أو الآداب. قانون الأحوال الشخصية المطبق هو القانون المستمد من الفقه الحنفي، وفي حال وجود قضايا خاصة بالأحوال الشخصية لأتباع مذاهب أخرى، يتم التعامل معها وفقاً للأطر القانونية المتاحة التي تضمن الحقوق المدنية للجميع دون تمييز.
رأي المحرر النهائي
في الختام، يمكن القول إن الوجود الشيعي في الأردن هو وجود هادئ وغير مؤسسي، يذوب بذكاء داخل الدولة الوطنية. إن قوة الأردن تكمن في قدرته على استيعاب التنوع دون السماح بتحوله إلى "هويات قاتلة". وبصفتي مراقباً، أرى أن المحاولات المستمرة لتسييس هذا الوجود غالباً ما تصطدم بواقع الاعتدال الأردني، حيث تظل المرجعية الهاشمية هي المظلة التي يستظل بها الجميع، مما يجعل الحديث عن "خطر طائفي" أمراً بعيداً عن الواقع الملموس.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.