الإجابة المباشرة والقطعية هي لا، لا ينكر الشيعة السنة النبوية كأصل من أصول التشريع، بل يعتبرونها المصدر الثاني بعد القرآن الكريم. بيد أن العقدة لا تكمن في مبدأ القبول، بل في آليات التلقي، ومناهج التوثيق، وتحديد من يحق له نقل هذا الإرث النبوي. فالخلاف ليس على "السنة" بما هي قول وفعل وتقرير للمعصوم، وإنما على "الرواة" الذين نقلوا هذه التفاصيل، مما أوجد فجوة منهجية عميقة بين مدرستي الصحابة وأهل البيت في قراءة التاريخ والوحي.

الجذور والمفاهيم: السنة في العقل الشيعي بين التنزيل والتأويل

حين نطرق باب الحوزات العلمية أو نفتح "الكافي" للكليني، نجد أن مفهوم السنة يتسع ليشمل ما صدر عن الأئمة الاثني عشر، انطلاقاً من رؤية عقدية ترى أن كلامهم هو امتداد طبيعي لكلام جدهم المصطفى. هذا لا يعني استبدالاً للنبي، بل هو "استمرار للبيان". الشيعي لا يرى نفسه منكراً للسنة حين يرفض حديثاً في "صحيح البخاري"، بل يراه حديثاً لم يمر عبر القنوات التي يثق بطهارتها وعصمتها. إنها معركة الأسانيد وليست معركة المتن النبوي في حد ذاته.

تأسست هذه النظرة على حديث الثقلين، الذي يمثل حجر الزاوية في العقلية الشيعية، حيث الاقتران بين الكتاب والعترة. هنا، تصبح السنة هي ما "صح" عن طريق آل البيت حصراً أو ما وافق منهجهم. هذا التحديد الصارم خلق قطيعة معرفية مع التراث الحديثي السني، ليس من باب الجحود، بل من باب التحري النقدي القائم على معايير "العدالة" والولاء. فالصحابة، في المنظور الشيعي، يخضعون للجرح والتعديل كغيرهم من البشر، ولا يتمتعون بـ "حصانة الجمع" التي قررتها مدرسة الجمهور، وهذا هو المفصل الذي يظن البعض من خلاله أن الشيعة يرفضون السنة.

تشريح المنهج: كيف يغربل الفقيه الشيعي مرويات "الخصوم"؟

التحليل الدقيق للمدرسة الشيعية يكشف عن وجود "فلترة" طبقية للأحاديث. فالسنة النبوية عندهم تنقسم إلى أقسام، أعلاها ما تواتر نقله عن طريق الأئمة. لكن، هل يضربون عرض الحائط بكل ما يرويه أهل السنة؟ الواقع التاريخي والاجتهادي يقول إن الفقهاء قد يأخذون بروايات "المخالفين" إذا ثبت صدق الراوي وتحرزه عن الكذب، وهو ما يعرف بـ "الموثق" في علم الدراية عندهم. ومع ذلك، يظل التوجس سيد الموقف تجاه المرويات التي تعزز شرعية المسارات السياسية التي تلت وفاة الرسول.

إن إشكالية "الإنكار" المزعومة نابعة من خلط المفاهيم بين "السنة" و"كتب الحديث". الشيعة ينكرون حجية "الصحاح الستة" كمنظومة مغلقة، لكنهم لا ينكرون جوهر السنة النبوية. هم يعتقدون أن السنة الحقيقية ضاعت أو حُرفت في دهاليز السياسة الأموية والعباسية، وأن السبيل الوحيد لاستعادتها نقية هو "سلسلة الذهب" (علي عن أبيه عن جده). هذا التشبث بالعترة جعلهم يبتكرون علماً مستقلاً للرجال، يتسم بصرامة مغايرة، تهدف إلى عزل ما يسمونه "أحاديث القصاص" و"إسرائيليات" تسللت إلى التراث الإسلامي العام، حسب زعمهم، نتيجة فتح باب الرواية لكل من هب ودب من الصحابة دون تمييز.

التبعات الواقعية: كيف ينعكس هذا التمايز على الفقه والحياة؟

هذا التباين في فهم السنة لم يبق حبيس الكتب، بل تغلغل في تفاصيل الحياة اليومية. من هنا نشأت الاختلافات في الوضوء، والأذان، والصلاة، وقضايا الميراث والزواج. الفقيه الشيعي حين يفتي، هو يستند إلى "سنة" يراها قطعية الصدور لأنها جاءت عبر "الإمام المعصوم". بالنسبة له، هذا هو الالتزام الحقيقي بالسنة النبوية، بينما يرى الطرف الآخر أن هذا الفعل هو خروج عن السواد الأعظم وهجر للأحاديث التي نقلها آلاف الصحابة.

إذن، نحن أمام منظومتين تسيران في خطين متوازيين؛ كلاهما يرفع شعار "اتباع السنة"، لكن كل فريق يقرأ "الخريطة" من زاوية مختلفة تماماً. الإنكار هنا هو إنكار لـ "الوسيط" وليس لـ "الرسالة". الشيعة يرون أنهم حماة السنة الحقيقية عبر بوابة أهل البيت، بينما يرى خصومهم أن استثناء الغالبية العظمى من الصحابة من عملية النقل هو هدم للدين وتجفيف لمنابع السنة. هذا الصدام المعرفي هو الذي يغذي الاتهامات المتبادلة بالابتداع أو الإنكار، وهو جوهر الأزمة التي لم تجد طريقاً للحل على مر القرون، نظراً لارتباطها الوثيق بمسألة الإمامة والشرعية السياسية والدينية.

المزالق الشائعة ونصائح الخبراء في فهم المنهج الشيعي

من أكبر المزالق التي يقع فيها الباحثون هو الخلط بين إنكار حجية السنة وبين الاختلاف في طرق إثباتها. يجب إدراك أن الشيعة لا يرفضون "السنة" كمصدر تشريعي، بل يرفضون مساواة "الصحبة" بالعصمة، ويشترطون في الراوي ضوابط عقدية وأخلاقية صارمة. النصيحة الأهم هنا هي ضرورة الرجوع إلى المصادر الأم ككتاب "الكافي" و"الاستبصار" لفهم كيفية تعامل الفقهاء مع النصوص، بدلاً من الاعتماد على القراءات السطحية التي تروج لفكرة الاكتفاء بالقرآن.

نصيحة أخرى يوجهها الخبراء هي التمييز بين الأحاديث الضعيفة الموجودة في التراث وبين العقيدة الرسمية للطائفة؛ فوجود روايات شاذة في كتب الحديث لا يعني بالضرورة أنها تمثل رأي المذهب الإجمالي. ينبغي للمهتم بالبحث العلمي التركيز على "علم الدراية" و"علم الرجال" عند الشيعة، فهذه العلوم هي الميزان الذي يفرق به علماؤهم بين ما هو "سنة حقيقية" صادرة عن المعصوم، وبين ما هو مدسوس أو موضوع.

الأسئلة الشائعة حول موقف الشيعة من السنة

1. هل يعتمد الشيعة على "صحيح البخاري" أو "صحيح مسلم"؟

بشكل عام، لا يعتبر الشيعة كتب الصحاح عند أهل السنة مصادر ملزمة للتشريع، لكنهم يستشهدون بها في المقامات الجدلية أو إذا وافقت الروايات عندهم. المنهج الشيعي يعتمد على الكتب الأربعة الأساسية، ويرى أن صحة الحديث تعتمد على وثاقة الرواة واتصال السند بالأئمة من آل البيت، وليس على وجود الحديث في كتاب معين وصف بأنه "صحيح" بالكامل.

2. لماذا يقال إن الشيعة ينكرون السنة إذا كانوا يرفضون أحاديث أغلب الصحابة؟

هذا الفهم ناتج عن حصر مفهوم "السنة" في قنوات محددة. الشيعة يروون السنة النبوية عبر طريق أهل البيت (علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وذريتهم)، ويرون أن هذا الطريق هو الأكثر أماناً وضماناً لنقل مراد النبي بدقة. لذا، هم لا ينكرون السنة، بل يعتقدون أنهم يتمسكون بالنسخة الأنقى منها.

3. ما هو دور "الإجماع" و"العقل" في مقابل السنة عند الشيعة؟

يعتبر العقل والإجماع من الأدلة الأربعة (الكتاب، السنة، العقل، الإجماع)، لكن السنة تظل هي الشارح الأكبر للقرآن. الإجماع عندهم ليس حجة لذاته، بل لكونه كاشفاً عن قول المعصوم. بالتالي، تظل "السنة المحكية" هي الركيزة الأساسية لاستنباط الأحكام الشرعية في الفقه الجعفري.

رأي المحرر الأخير

في الختام، يمكن القول بثقة إن الشيعة لا ينكرون السنة النبوية، بل يقدسونها كأصل ثانٍ للتشريع لا غنى عنه. الخلاف الحقيقي هو خلاف "منهجي" و"معرفي" حول هوية الناقل الأمين لهذه السنة. إن فهم هذا التمايز بعيداً عن التشنج الطائفي يكشف عن بناء فقهي متكامل يعتمد على النص النبوي بشكل أساسي، لكنه يمر عبر مصفاة آل البيت لضمان السلامة من الوضع والتحريف الذي قد يطال الروايات التاريخية.