الإجابة المباشرة والقطعية هي: لا، الشيعة لا ينكرون السنة النبوية. بل يعتبرونها المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم. لكن الإشكالية الحقيقية التي تسبب هذا اللبس الشائع تكمن في تعريف "السنة" ذاتها وفي آليات نقلها وتوثيقها. فبينما يرى البعض أن إنكار "صحيح البخاري" هو إنكار للسنة، يرى الشيعة أن السنة هي قول وفعل وتقرير المعصوم، وأن حصرها في قنوات محددة دون غيرها هو تضييق للمنبع النبوي الصافي الذي وصلهم عبر آل البيت.

السياق والمؤسسات: ما الذي نعنيه بالسنة في العقل الشيعي؟

من الضروري أن ندرك أن مفهوم السنة عند الشيعة الإمامية يتسع ليشمل أحاديث الأئمة الاثني عشر، باعتبارها امتداداً طبيعياً وعضوياً لسنة جدهم المصطفى. هم لا يضعون الإمام في مقابل النبي، بل يرون في الإمام المرآة المصقولة التي تعكس الأنوار النبوية بلا رتوش. هنا تبرز نقطة الخلاف الجوهرية؛ فالشيعي لا يثق في "عدالة الصحابة" كمفهوم شمولي مطلق، بل يخضع كل راوٍ لمبضع الجرح والتعديل الدقيق. بالنسبة لهم، السنة ليست مجرد نصوص تراكمت في بطون الكتب، بل هي "منهج حياة" انتقل عبر ثقات عاينوا الوحي في بيت النبوة.

إن اتهام الشيعة بإنكار السنة هو تسطيح مخل لمعضلة ابستمولوجية عميقة. فالشيعة لديهم مدوناتهم الحديثية الضخمة، وعلى رأسها "الكافي" للكليني، و"من لا يحضره الفقيه" للصدوق، وهي كتب تفيض بآلاف الروايات المسندة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. لكن الفارق يكمن في "الغربال". الغربال الشيعي لا يمرر حديثاً اصطدم ببديهيات العقل أو خالف صريح القرآن، حتى لو رواه من عاصر النبي، إذا ثبت لديهم انحراف مسلك ذلك الراوي في أحداث الفتنة الكبرى. هذا التحفظ المنهجي هو ما يفسره البعض خطأً على أنه إنكار لأصل السنة، بينما هو في الحقيقة تشدد في انتقاء مصادرها.

التحليل الجوهري: صراع التوثيق لا صراع الوجود

حين نغوص في أعماق البحث الحديثي، نجد أن الشيعة يفرقون بين "السنة" كحقيقة إلهية وبين "الخبر" كحكاية بشرية. إنهم يقدسون السنة، لكنهم يتعاملون مع الرواة بعين ناقدة لا تعرف المجاملة. الاعتقاد بأن الشيعة يرفضون السنة لأنهم لا يأخذون بـ "الصحاح الستة" هو وهم معرفي؛ فعدم الاعتداد بكتاب معين لا يعني كفرًا بمحتواه الكلي، بل يعني تحفظاً على سلسلة السند. الشيعة يروون عن النبي عبر الإمام الصادق وعن الإمام الباقر، وهؤلاء بدورهم يروون عن آبائهم وصولاً إلى علي بن أبي طالب عن رسول الله. هذا يسمى عندهم "السلسلة الذهبية".

المفارقة العجيبة هي أن الكثير من الأحاديث الموجودة في المصادر السنية تجد لها صدىً ومطابقة في الأصول الشيعية، مما يثبت أن الجوهر النبوي واحد، لكن الأطر السياسية والتاريخية هي التي فرقت السبل. إن الشيعة يرون أن السنة تعرضت للوضع والدس الأموي والعباسي لأغراض سياسية، ولذلك وضعوا شروطاً قاسية لقبول الرواية، منها موافقة الكتاب الكريم. فكل حديث يخالف القرآن يضرب به عرض الحائط، وهذا ليس إنكاراً للسنة بل صيانة لها من التشويه الذي قد يلحق بها جراء أهواء الرواة أو ضغوط السلطان.

التداعيات العملية والميدانية للفهم الشيعي للحديث

تنعكس هذه الرؤية بشكل ملموس في الفقه الشيعي المعاصر. فالمجتهد الشيعي لا يستنبط حكماً شرعياً إلا بعد فحص دقيق للروايات الواردة في الأصول الأربعة. هذا الفحص يتجاوز مجرد السند ليصل إلى المتن ودلالاته. إن غياب "الإجماع" كمصدر قطعي في قبال النص عند الشيعة جعلهم يتمسكون بالسنة المروية عن العترة الطاهرة تمسكاً لا يلين، لأنهم يرون فيها الضمانة الوحيدة لعدم الانحراف. ومن هنا، فإن الصلاة والصوم والحج عند الشيعة كلها مستمدة من السنة النبوية، ولكن بتفاصيل نقلها أهل البيت الذين "أدرى بما في البيت".

على أرض الواقع، يمارس الشيعة شعائرهم بناءً على زخم هائل من المرويات النبوية. الادعاء بأنهم يعتمدون على القرآن وحده أو على آراء الأئمة بمعزل عن النبي هو محض اختلاق تاريخي. فالإمام في المنظور الشيعي هو "ناقل" و"مبين" وليس "مشرعاً" بالأصالة. كل كلمة قالها جعفر الصادق هي في وعي الشيعي قول لرسول الله، ولكن بلسان حفيده. هذا الربط العضوي يجعل من السنة الشيعية بنية صلبة، عصية على الاختراق، ومستندة إلى تواتر عائلي وتاريخي يمتد إلى لحظة نزول جبريل في غار حراء. الرفض إذن ليس للسنة، بل للوسائط التي يشوبها الغموض في نظرهم.

عثرات شائعة ونصائح الخبراء في فهم المنهج الشيعي

عند البحث في علاقة الشيعة بالسنة النبوية، يقع الكثيرون في فخ التعميم المختزل، وهو الاعتقاد بأن رفض الشيعة لبعض رواة الصحابة يعني رفضاً لمطلق السنة. الحقيقة العلمية تشير إلى أن الخلاف ليس في "حجية السنة" بل في "طرق إثباتها". من أبرز العثرات التي يواجهها الباحثون هي الخلط بين المصطلح المذهبي "أهل السنة والجماعة" وبين "السنة النبوية" كأفعال وأقوال النبي. فالشيعة يعتبرون أنفسهم متمسكين بالسنة الحقيقية التي وصلتهم عبر "الثقلين": الكتاب وعترة أهل البيت.

للوصول إلى فهم دقيق، ينصح الخبراء بضرورة الرجوع إلى المصادر الأصولية الشيعية مثل "الكافي" و"التهذيب"، وعدم الاعتماد فقط على ما ينقله الخصوم. كما يجب الانتباه إلى أن الشيعة يشترطون في الراوي "العدالة والضبط" بمفهومهم العقدي، وهو ما يفسر استبعادهم لبعض الأحاديث الموجودة في الصحاح السنية. النصيحة الأهم هي التمييز بين الأحاديث الضعيفة التي قد توجد في كتبهم وبين العقيدة الرسمية للمذهب، فليس كل ما روي في كتب الحديث الشيعية يعتبر صحيحاً بالضرورة عندهم، بل يخضع لمنظومة نقد رجالي صارمة.

الأسئلة الشائعة حول موقف الشيعة من السنة

1. هل يمتلك الشيعة كتب حديث خاصة بهم تغنيهم عن كتب السنة؟

نعم، يعتمد الشيعة الإمامية على ما يسمى "الأصول الأربعة"، وأهمها كتاب "الكافي" للكليني. هذه الكتب تجمع آلاف الروايات المسندة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمة من آل بيته. هم لا يرون ضرورة للاعتماد على "صحيح البخاري" أو "مسلم" كمصدر وحيد، بل يأخذون بالروايات التي تتوافق مع ضوابطهم العلمية، حتى لو وردت في كتب المذاهب الأخرى.

2. لماذا يرفض الشيعة أحاديث يرويها كبار الصحابة؟

الإشكالية هنا تكمن في مبدأ "عدالة الصحابة". بينما يرى أهل السنة أن جميع الصحابة عدول، يعتقد الشيعة أن الصحابة بشر يجري عليهم ما يجري على الناس من الخطأ والصواب والارتداد السياسي. لذا، هم يقبلون رواية الصحابي الذي ثبت لديهم استقامته ووفاؤه لعهد النبي، ويرفضون رواية من يرون أنه خالف وصايا النبي أو دخل في صراعات سياسية مع أهل البيت.

3. هل يؤمن الشيعة بسنة الرسول أم سنة الأئمة فقط؟

في الفكر الشيعي، سنة الإمام هي امتداد لسنة النبي. هم يعتقدون أن الأئمة الاثني عشر معصومون، وأن حديثهم ليس اجتهاداً شخصياً بل هو نقل أمين وعلم لدنّي ورثوه كابراً عن كابر عن جدهم رسول الله. لذا، قول الإمام عندهم يعتبر كاشفاً عن السنة النبوية وليس تشريعاً موازياً لها.

كلمة المحرر ورؤية ختامية

في الختام، يمكن القول بثقة إن الشيعة لا ينكرون السنة النبوية بل يعظمونها كأصل ثانٍ للتشريع بعد القرآن الكريم. الخلاف الجوهري هو خلاف في "سلاسل الإسناد" وهوية الرواة الموثوقين. إن محاولة تصوير المذهب الشيعي على أنه مذهب يعتمد على الرأي بعيداً عن الأثر النبوي هي قراءة تفتقر إلى الدقة العلمية. إن إنصاف البحث العلمي يتطلب منا الاعتراف بأننا أمام مدرستين إسلاميتين، كل منهما تدعي الوصل بالسنة من طريقها الخاص، والاعتراف بهذا التباين هو أول خطوة نحو الحوار الموضوعي بعيداً عن الاتهامات الجاهزة.