المحتويات
الله جل جلاله في العلو المطلق، بذاته وصفاته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه. هذا هو الجواب المختصر الذي تلهج به الفطرة قبل أن تسطره الكتب. إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الخالق سبحانه فوق سماواته، كما أخبر عن نفسه في محكم التنزيل، دون تكييف لهذا العلو أو تشبيهه بعلو المخلوقين. فالله ليس في كل مكان بذاته -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- بل هو فوق العرش، وعلمه وقدرته وإحاطته هي التي تسع كل شيء وتملأ ذرات الوجود.
الأسس الوجودية والمنطلقات العقدية في إثبات العلو
قضية "الأين" ليست ترفًا فكريًا أو جدلاً بيزنطيًا غايته الحذلقة الكلامية، بل هي جوهر التنزيه. يبدأ التأصيل من الفطرة؛ تلك القوة الكامنة التي تدفع العبد، حين تشتد به الكروب، أن يرفع بصره وقلبه تلقائيًا نحو السماء. لم نجد موحدًا قط يلتفت يمنة أو يسرة حين ينادي "يا رب"، بل هي جهة العلو القهري. ثم يأتي النقل ليعضد هذه الجبلة، فآيات الاستواء السبع في القرآن الكريم صريحة كشمس الضحى، لا تحتمل التأويل المتكلف الذي يفرغ النص من هيبته. "الرحمن على العرش استوى"، كلمة فصلت في النزاع قبل أن يبدأ. إن التفريق بين الذات والعلم هو الميزان الذي استقام به مذهب السلف. فالقول بأن الله في كل مكان بذاته يقتضي -لوازم باطلة- تنزه الخالق عنها، إذ يجعله حالًّا في الأماكن القذرة أو الضيقة، وهذا ضلال مبين. أما مذهب أهل الحق، فيقوم على أن الله بائن (أي منفصل) عن العالم، فالعالم ليس فيه شيء من ذات الله، والله ليس في ذاته شيء من خلقه. هو فوقهم، رقيب عليهم، يسمع ضجيج أصواتهم، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، لا يغيب عنه مثقال ذرة، وهو معهم بعلمه ونصرته وتأييده.
تحليل النصوص: بين الظاهر الجلي والتأويل الفاسد
حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية: "أين الله؟"، قالت: "في السماء". لم ينهرها، ولم يقل لها إن هذا تجسيم أو تحيز، بل قال لسيّدها: "أعتقها فإنها مؤمنة". هذا النص النبوي ينسف كل تنظير يحاول نفي جهة العلو بذريعة التنزيه البارد. إن مشكلة العقل المعطل أنه يظن أن إثبات المكان لله يعني حصر الله في حيز، بينما الحقيقة أن "السماء" في لغة العرب تعني العلو المطلق، والله فوق هذا العلو، لا يحويه شيء من خلقه، فهو الغني عن العرش وعن حملة العرش. العرش هو سقف المخلوقات، والله فوق العرش. ومن هنا يبرز مصطلح البينونة؛ أي أن الله سبحانه فوق العالم وليس داخلًا فيه. هذا التحليل يغلق الباب أمام الحلولية والاتحادية الذين تاهوا في فيافي التشبيه حتى عبدوا الحجر والشجر ظنًا منهم أن الخالق يحل في المصنوع. أهل السنة يثبتون ما أثبته الله لنفسه، بلا تمثيل ولا تكييف، وبلا تعطيل ولا تحريف. فاستواؤه معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه (أي عن الكيفية) بدعة. إننا نثبت حقيقة المعنى ونفوض علم الكيفية إلى من يعلم السر وأخفى.
الآثار الإيمانية والعملية لترسيخ عقيدة العلو
ليست العقيدة مجرد قوالب صلبة، بل هي روح تسري في أوصال المؤمن. حين يوقن العبد أن إلهه فوق كل شيء، يورثه ذلك تعظيمًا لا يشاركه فيه أحد. إن الشعور بأن الله في العلو يمنح النفس طمأنينة السيادة؛ فكل من تراه على الأرض هو دونك ودون خالقك. هذا الاعتقاد يكسر حدة الخوف من الجبابرة، فالملك الحق هو "العلي العظيم". علاوة على ذلك، فإن عقيدة العلو تضبط بوصلة المراقبة. عندما تدرك أن الله فوقك، تترفع عن السفاسف، وتستحي أن يراك على معصية وهو المطلع من فوق سبع سماوات. هي معية العلم التي تلازم العبد في خلوته وجلوته. إن إنكار العلو يشتت القلب، ويجعل المعبود "
تنبيهات منهجية وأخطاء شائعة
عند البحث في مسألة الفوقية والاستواء، يقع البعض في منزلقات فكرية ناتجة عن محاولة إخضاع الغيب للمقاييس المادية البشرية. من أبرز هذه الأخطاء "التكييف"، وهو محاولة تخيل هيئة معينة للاستواء، وهذا ممتنع لأننا لا ندرك كنه الذات الإلهية. كما يجب الحذر من "التمثيل"، أي تشبيه علو الله بخلقِهِ؛ فالله مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، لا يحويه مكان ولا يحده زمان، وعلوه سبحانه علو مطلق يليق بجلاله.
ينصح العلماء والخبراء في العقيدة بضرورة الالتزام بالقاعدة الذهبية: إثبات المعنى وتفويض الكيفية. فالمعنى في اللغة معلوم (وهو العلو والارتفاع)، والكيف مجهول، والإيمان به واجب. كما يُنصح بالابتعاد عن الخوض في التفاصيل الفلسفية التي لم ترد في الكتاب والسنة، والتركيز على ثمرات الإيمان بهذا المعتقد، والتي تورث العبد طمأنينة بأن ربه مهيمن على ملكوته، مطلع على عباده، وقريب منهم بعلمه وإحاطته رغم علو ذاته.
الأسئلة الشائعة حول أين الله
1. هل القول بأن الله في السماء يعني أنه داخل جرم مادي؟
قطعاً لا. المقصود بـ "في السماء" عند أهل السنة إما أن "في" بمعنى "على" (أي فوق السماء)، أو أن السماء تعني "العلو المطلق". فالله سبحانه أكبر من كل شيء، والكون كله في قبضته كخردلة، فلا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو المحيط بكل شيء.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.