المحتويات
الإجابة المباشرة والقطعية التي استقر عليها مجمع البحوث الإسلامية وكبار الفقهاء المعاصرين هي أن السونار حلال شرعاً بل قد يرتقي لدرجة الوجوب في حالات طبية معينة، شرط ألا يترتب عليه مفسدة أعظم. هذا الجهاز ليس ضرباً من رجم بالغيب كما يتوهم البعض، بل هو استقراء لواقع مادي موجود داخل الرحم ساقه الله إلينا عبر العلم الحديث. إن استخدامه يندرج تحت باب التداوي والحفاظ على النفس والنسل، وهي من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الغراء لصيانتها وحمايتها من العوارض.
تأصيل المسألة: بين كشف الغيب والواقع المشهود
تثور أحياناً زوبعة من اللغط حول قوله تعالى "ويعلم ما في الأرحام"، فيظن القاصرون عن فقه الواقع أن معرفة نوع الجنين بالسونار هي منازعة للخالق في علمه. والحقيقة أن علم الله بالغيب مطلق، يعلم ما سيكون قبل أن يكون، يعلم شقاء الجنين وسعادته، ورزقه وأجله، وهي أمور لا يدركها سونار ولا يحيط بها بشر. أما السونار، فهو يرصد "جسداً" تشكل بالفعل، أي انتقل من حيز الغيب المطلق إلى حيز الغيب النسبي أو عالم الشهادة. الفقيه الفطن يفرق بين "التنبؤ" الذي هو من اختصاص الإله، وبين "التشخيص" الذي هو قراءة لآيات الله في الآفاق والأنفس.
إن إعمال العقل في فهم النصوص يقتضي منا إدراك أن "العلم بما في الأرحام" في الآية الكريمة يشمل أدق التفاصيل الروحية والقدرية. بينما ما يراه الطبيب عبر الموجات فوق الصوتية هو مجرد انعكاسات فيزيائية لكتلة لحمية وعظمية. لذا، فإن تحريم السونار بناءً على هذا الاستدلال هو مغالطة منطقية وفقهية واضحة، لأننا لا ندعي معرفة "الغيب"، بل نصف "الواقع" الماثل أمام عدسة الجهاز بعد نفخ الروح أو قبلها، وهو ما ينسجم تماماً مع حث الإسلام على طلب العلم والتداوي.
التشريح الفقهي لضرورة الفحص التصويري
لماذا نبيح السونار بل ونشجعه؟ القاعدة الفقهية تقول "لا ضرر ولا ضرار". السونار اليوم ليس مجرد أداة لمعرفة "ولد أم بنت" لغرض الترف أو الفضول، بل هو ركيزة أساسية في الطب الوقائي. من خلاله يتم اكتشاف التشوهات الخلقية المبكرة، ومراقبة وضعية المشيمة، والتأكد من سلامة تدفق الدم للجنين. إهمال هذه التقنية قد يؤدي إلى كوارث صحية كان يمكن تلافيها، وهنا نجد أن المقصد الشرعي من إباحته هو دفع الضرر المتوقع عن الأم والجنين معاً.
علاوة على ذلك، فإن الشريعة تتسم بالمرونة؛ فإذا كان كشف العورة في الأصل محظوراً، فإنه يباح في حضرة الطبيب للضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة. السونار يمنحنا طمأنينة نفسية للأبوين، ويقطع دابر القلق والشكوك، ويزود الطبيب بالبيانات اللازمة لاتخاذ قرارات مصيرية مثل التدخل الجراحي داخل الرحم في الحالات المعقدة. إن حصر المسألة في "الحلال والحرام" بمفهوم ضيق يتجاهل الأبعاد الإنسانية والطبية العميقة التي تخدم جوهر الدين وهو الحفاظ على حياة الإنسان وتكريمه.
التداعيات العملية والضوابط الأخلاقية للاستخدام
رغم الإباحة المطلقة كأصل، إلا أن هناك سياجات أخلاقية يجب أن تحيط بهذه الممارسة. فالأمر ليس متروكاً للهوى أو التجارة المحضة. يجب أن يتم الفحص عند الضرورة وبقدرها، مع مراعاة ستر ما يمكن ستره من عورات. لا يجوز أن يتحول السونار إلى أداة للانتقاء الجنسي الذي يؤدي لاحقاً لعمليات الإجهاض المحرمة في حال لم يكن نوع الجنين موافقاً لرغبة الأهل؛ فهنا يتحول الحلال إلى حرام ليس لذات الجهاز، بل للمقصد الخبيث الذي استُخدم من أجله.
الممارسة العملية تفرض علينا أيضاً التأكد من كفاءة القائم على الفحص؛ فالخطأ في التشخيص قد يترتب عليه مفاسد عظيمة. من هنا، يرى المحققون من أهل العلم أن السونار وسيلة شرعية مباركة ما دامت تدور في فلك المصلحة المعتبرة. إن التطور التقني في السونار ثلاثي ورباعي الأبعاد زاد من وضوح الرؤية، مما يعزز من قدرة الفقيه على بناء تصور دقيق للحالة الصحية، فالشرع يتبع الدليل، والدليل الطبي هنا يقيني لا يحتمل التأويل الضعيف الذي ينادي بالتحريم بغير سلطان علمي.
الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء عند استخدام السونار
رغم الاتفاق الفقهي الواسع على مشروعية السونار، إلا أن هناك أخطاء شائعة قد يقع فيها البعض، أبرزها الاعتقاد بأن معرفة نوع الجنين تعد تدخلاً في الغيب المطلق. يوضح الخبراء والشرعيون أن الغيب الذي استأثر الله به هو حقيقة الروح والمستقبل، أما ما استقر في الأرحام وأصبح مادة ملموسة يمكن رؤيتها بالأجهزة، فهو من قبيل العلم التجريبي وليس ادعاءً للغيب.
ومن النصائح الجوهرية التي يقدمها المختصون، ضرورة الالتزام بـ الضوابط الأخلاقية أثناء الفحص؛ حيث يُفضل أن تقوم الطبيبة الأنثى بإجراء السونار للمرأة الحامل مراعاةً لستر العورة، ولا يتم اللجوء للطبيب الرجل إلا في حالات الضرورة الطبية أو عدم توفر الكوادر النسائية المؤهلة. كما يجب الحذر من الانجراف وراء الهوس بمعرفة جنس المولود لدرجة الاعتراض على قدر الله، بل يجب أن يكون الهدف الأول للسونار هو الاطمئنان على سلامة الجنين وتطور نموه الطبيعي.
الأسئلة الشائعة حول حكم السونار
هل كشف عورة المرأة أمام الطبيبة للسونار يعد حراماً؟
الأصل هو ستر العورة، ولكن الشريعة الإسلامية تبيح كشف قدر الحاجة من الجسد لأجل التداوي والمتابعة الطبية. وبما أن متابعة الحمل ضرورة لصحة الأم والجنين، فإن ذلك جائز شرعاً، مع التأكيد على أن يكون ذلك أمام طبيبة مسلمة إن أمكن، ثم طبيبة غير مسلمة، ولا يُنتقل للرجل إلا عند الحاجة الماسة.
ما حكم إجراء السونار لمجرد الفضول وليس لسبب طبي؟
يرى العلماء أن إجراء السونار لمعرفة جنس الجنين أو رؤية ملامحه مباح ولا حرج فيه، لأنه يدخل في باب السرور المباح وبناء الرابطة العاطفية مع المولود. ومع ذلك، ينصح الأطباء بعدم الإفراط في التعرض للموجات فوق الصوتية دون داعٍ طبي وقائي التزاماً بمبدأ السلامة العامة.
هل السونار يغير من قدر الله في نوع الجنين أو حالته؟
هذا معتقد خاطئ تماماً؛ فالسونار هو أداة كاشفة لما هو موجود بالفعل وليست أداة مؤثرة في التكوين. العلم بما في الأرحام عبر السونار هو إطلاع على واقع خلقه الله وسيره وفق سنن كونية، وهو لا يتعارض أبداً مع الإيمان بأن الله هو الخالق المصور.
رأي المحرر النهائي
في الختام، يمكن القول إن السونار يعد نعمة من نعم الله وسخرها لخدمة البشرية وتسهيل الرعاية الصحية. من الناحية الشرعية، هو وسيلة مباحة بل ومندوبة إذا كانت تهدف لحماية النفس والجنين. النصيحة الأهم هي الموازنة بين الاستفادة من هذه التقنية وبين الحفاظ على الآداب الشرعية، واليقين التام بأن الطبيب والجهاز هما مجرد أسباب، والمدبر والمشافي هو الله وحده.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.