المحتويات
الإجابة المباشرة والقطعية التي استقر عليها رأي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله هي الجواز المطلق، حيث اعتبر أن تخريم الأذن عدة فتحات يندرج تحت باب الزينة المباحة للمرأة، ما لم يترتب على ذلك ضرر صحي محقق أو تشبه بغير المسلمات في شعائرهن الخاصة، فالأصل في عادات النساء التوسعة ما دام القصد هو التجمل للزوج أو النفس، وهو ما يتماشى مع مقاصد الشريعة في إباحة الطيب والزينة للنساء ضمن الضوابط الشرعية المعروفة.
الجذور الفقهية والمنطلقات الشرعية عند ابن باز
حين نبحر في عقلية الشيخ ابن باز الفقهية، نجد أن معالجته لمسألة ثقب الأذن تنطلق من قاعدة أصولية راسخة: "الأصل في الأشياء الإباحة". لم ينظر الشيخ إلى تعدد الثقوب كفعل عبثي، بل وضعه في سياق تاريخي واجتماعي يخص طبيعة المرأة التي جبلت على حب الحلي. يرى سماحته أن الثقب الواحد الذي أقره الشرع ضمناً بسكوته عن فعل نساء الصحابة، لا يختلف في جوهره عن الثقبين أو الثلاثة، فالمؤثر واحد وهو الحاجة لتعليق القرط.
اللافت في فتاوى الشيخ هو مرونته في فهم "العرف". فبينما قد يرى البعض أن الزيادة في الثقوب خروج عن المألوف، اعتبر ابن باز أن العرف متجدد، وأن التشوه الذي يخشاه البعض ليس حاصلاً طالما أن الغرض هو وضع الذهب والمجوهرات. لم يلتفت الشيخ للأقوال التي تحرم ذلك بحجة تعذيب الجسد، معتبراً ألم الثقب لحظياً ومغفوراً في سبيل المصلحة الراجحة وهي التزين. إن هذا التأصيل يغلق الباب أمام التشدد غير المبرر الذي يضيق على النساء في أمور مباحة لم يرد نص صريح بتحريمها، بل إن القياس على الثقب الواحد يجعل التعدد فرعاً من أصل جائز.
تحليل معمق لعلل الإباحة وموانع التحريم
لماذا أجاز ابن باز ما قد يتحفظ عليه آخرون؟ تكمن العلة في انتفاء وصف "تغيير خلق الله" المحرم. فالتخريم للزينة لا يشبه الوشم أو النمص من حيث الاستمرارية وتشويه الخلقة، بل هو إجراء وظيفي لتمكين الزينة. يفرق الشيخ بدقة متناهية بين ما هو "تغيير" وبين ما هو "تجميل". التجميل الذي تطلبه المرأة لزوجها لا يمكن وصفه بالتبديل المذموم لخلق الله، لأن الأذن تظل أذناً، والفتحة الصغيرة لا تغير من هيئتها البشرية شيئاً جوهرياً.
كذلك، ركز التحليل الفقهي للشيخ على دفع تهمة "التشبه". فالتشبه المنهي عنه هو ما كان من خصائص الكافرات أو الفاسقات التي لا يفعله غيرهن. أما وقد شاع تخريم الأذن المتعدد بين المسلمات وصار عرفاً عاماً لا يميز فئة عن أخرى، فقد زالت علة التحريم. إن ذكاء الشيخ في ربط الحكم بالواقع المعاش جعل من فتواه نبراساً يوازن بين الحفاظ على الهوية الإسلامية وبين مواكبة الموضة غير المصادمة للنص. لا يوجد هنا إسراف أو تبذير بالضرورة، بل هو استغلال للمباحات في حدود الاعتدال والقدرة المالية للمرأة، وهو تفصيل دقيق ينم عن فقه واسع بمقاصد الشريعة.
الانعكاسات العملية والضوابط التطبيقية للفتوى
تطبيق هذه الفتوى في حياة المرأة المسلمة يتطلب وعياً بالحدود التي رسمها سماحته ضمناً. أولاً، يجب ألا يؤدي هذا الفعل إلى نضح دم مستمر أو التهابات مزمنة، فالقاعدة الشرعية تقول: "لا ضرر ولا ضرار". إذا كان جسد المرأة لا يتحمل سوى ثقب واحد، يصبح التعدد هنا ممنوعاً ليس لذاته، بل لما يترتب عليه من أذى بدني. إن الصحة مقدمة على الزينة في سلم الأولويات الفقهية، وهو أمر يغفل عنه الكثيرون عند قراءة الفتاوى العامة.
ثانياً، تبرز المسألة المالية؛ فالشيخ يربط دائماً بين الإباحة وبين عدم الوقوع في الخيلاء أو التبذير. شراء أقراط متعددة لملء تلك الثقوب يجب ألا يتحول إلى هوس يرهق ميزانية الأسرة أو يدخل في باب المفاخرة المذمومة. إن التوازن الذي ينشده الفقه هو أن تظل المرأة متجملة دون أن تخرج عن وقارها الإسلامي. هذه الفتوى ليست صكاً مفتوحاً للعبث بالجسد، بل هي رخصة مرتبطة بوعي المرأة وقدرتها على تقدير المصلحة، مع التأكيد على أن الستر والحجاب يظلان الإطار العام الذي تبرز من خلاله هذه الزينة أمام المحارم فقط.
تنبيهات هامة ونصائح الخبراء عند تعدد الثقوب
عند الرغبة في اتباع فتوى الجواز وتعدد ثقوب الأذن، يجب الحذر من الوقوع في بعض الأخطاء الشائعة التي قد تخرج الفعل عن دائرة المباح إلى الكراهة أو التحريم. أولاً، الاعتدال والملاءمة؛ فالمقصود من التزين هو الجمال المتعارف عليه، فإذا زاد عدد الثقوب بشكل يشوه الأذن أو يخرج عن هيئة "الزينة" إلى هيئة "المثلة" (أي تشويه الخلقة)، فقد يمنع ذلك شرعاً. كما يشدد الخبراء الشرعيون على ضرورة تجنب التشبه بالكافرات أو الفاسقات؛ فإذا كان نمط معين من التخريم يرمز لشعار ديني لغير المسلمين أو جماعات منحرفة، وجب تركه فوراً.
من الناحية الطبية والعملية، ينصح الخبراء بضرورة إجراء التخريم في مراكز متخصصة لضمان التعقيم، وتجنب ثقب "الغضروف" العلوي للأذن إلا بعد استشارة طبية، نظراً لبطء التئامه وسهولة تعرضه للالتهابات. كما يجب التأكد من أن نوع المعدن المستخدم في الأقراط لا يسبب حساسية مزمنة، مع ضرورة الالتزام بتعقيم الثقوب الجديدة يومياً لتجنب الندبات الدائمة التي قد تؤثر على شكل الأذن وتنافي غرض الزينة.
الأسئلة الشائعة حول تخريم الأذن
هل يجوز تخريم أذن الطفلة الصغيرة في أكثر من موضع؟
نعم، يجوز ذلك من باب الزينة المبكرة، بشرط ألا يسبب لها ألما مبرحاً غير محتمل، وأن يكون الهدف هو تزيينها بما جرت به عادة النساء، مع مراعاة اختيار الأوقات التي يكون فيها الجلد رقيقاً وسريع الالتئام.
ما حكم التخريم في أجزاء أخرى غير شحمة الأذن؟
يرى كثير من العلماء، ومنهم الشيخ ابن باز في سياق حديثه عن الزينة، أن الأصل هو الإباحة ما دام في الأذن وفي مواضع جرت عادة النساء بالتزين فيها. ومع ذلك، يفضل الالتزام بالشحمة وما حولها والابتعاد عن التخريم الذي قد يؤدي إلى ضرر صحي في غضروف الأذن.
هل يشترط عدد معين من الثقوب؟
لم يحدد الشرع عدداً معيناً للثقوب، فالقاعدة الفقهية تبنى على العرف والعادة. ما دام العدد يعتبر زينة في عرف المجتمع ولا يسبب ضرراً صحياً أو تشويهاً خلقياً، فهو باقٍ على أصل الإباحة والحل.
رأي المحرر الختامي
في الختام، يظهر لنا من مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز واللجنة الدائمة أن الشريعة الإسلامية تتسم بالمرونة فيما يخص زينة المرأة، ما لم تخرج عن ضوابط الحياء أو تقع في محظور التشبه أو الضرر. إن تعدد فتحات الأذن يظل خياراً جمالياً متاحاً للمرأة المسلمة للتعبير عن أنوثتها وتزينها لزوجها وفي مجتمع النساء، بشرط أن يظل ذلك في إطار القصد والاعتدال، بعيداً عن الصرعات التي قد تسيء لمنظرها العام أو تخالف الفطرة السليمة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.