المحتويات
يرغب الكثيرون في معرفة فصل الخطاب حول تساؤل: هل يجوز لعب الدومنة عند ابن عثيمين؟ والإجابة المباشرة التي تقتضيها أصول الفتوى لدى الشيخ هي أن الأصل في الألعاب الإباحة ما لم تقترن بمحرم، لكن الدومينو تحديداً تتردد بين المنع والإجازة المشروطة؛ فهي محرمة قطعاً إذا اشتملت على قمار أو صدت عن ذكر الله، ومكروهة أو ممنوعة عند الشيخ إذا كانت تضيع الوقت بلا طائل أو تحاكي النرد المنهي عنه، وهذا ما سنفصله بعمق في السطور التالية.
تأصيل المسألة والمنطلقات الفقهية عند الشيخ ابن عثيمين
حين نبحر في فتاوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- نجد أن منهجه يتسم بالواقعية الشديدة والربط الوثيق بين النص والمقصد الشرعي. لم يكن الشيخ يحبذ إطلاق أحكام التحريم جزافاً على مستحدثات العصر أو الألعاب الشعبية، بل كان يضع "المسطرة" الشرعية فوق كل نازلة. في قضية الدومينو، ينطلق الشيخ من قاعدة أن "الأصل في غير العبادات الحل"، وهي قاعدة ذهبية تريح الصدور، لكنها ليست شيكاً على بياض. فالله عز وجل لم يحرم علينا الترويح عن النفس، بل إن القلوب إذا كلت عميت.
بيد أن الشيخ كان يلمح دائماً إلى أن هذه الألعاب، وإن لم تكن "نرداً" بالمعنى الحرفي الوارد في الأحاديث النبوية التي شبهت لاعب النرد بشخص يغمس يده في لحم خنزير ودمه، إلا أنها تشترك معها في علة إضاعة العمر. ابن عثيمين كان يرى أن الوقت هو رأس مال المسلم، وكان يمتعض من رؤية الشباب يحبسون أنفسهم لساعات طوال خلف قطع خشبية لا تسمن ولا تغني من جوع معرفي. لذا، فالتأصيل هنا يراوح بين الإباحة الأصلية وبين العوارض التي تنقل اللعبة إلى دائرة الحظر أو الكراهة الشديدة، خاصة وأن الدومينو تعتمد في جزء منها على الحظ "المحض" عند سحب القطع، وهو ما يقربها من الشبهة.
التحليل الجوهري للعبة الدومينو في فقه "نور على الدرب"
في تحليلنا العميق لرؤية الشيخ، نجد أن ابن عثيمين كان يفرق بين "ذات اللعبة" وبين "بيئة اللعب". فالدومنة في حد ذاتها قطع مرقمة، لكن الإشكال يكمن في ثلاثة محاور رئيسية يشدد عليها الشيخ دائماً. المحور الأول هو عنصر الميسر؛ فإذا دخل "القرش" أو المراهنة على خسران الطرف الآخر لدفع ثمن المشروبات أو غيره، انقلبت اللعبة إلى كبيرة من الكبائر بإجماع العلماء، وهنا لا يتردد الشيخ في التحريم القاطع.
أما المحور الثاني، فهو المشابهة لـ "النردشير". فمن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اللعب بالمنقوشات التي تعتمد على الصدفة المطلقة. وهنا يحلل الفقهاء -وابن عثيمين منهم- مدى اعتماد الدومينو على الحظ مقابل الذكاء. فإذا غلب الحظ، التحقت بالنرد المذموم، وإذا غلب فيها التدبير الذهني، خف حكمها. والمحور الثالث هو الصد عن الصلاة؛ فكم من مجلس "دومنة" ضاعت فيه صلاة الجماعة أو تأخرت فيه صلاة الفجر، وهنا يسلط الشيخ سيف "سد الذرائع" بقوة، معتبراً أن الوسيلة التي تؤدي إلى ترك الواجب تصبح محرمة بتبعية المقصد.
الآثار الواقعية والتبعات العملية لتعاطي هذه الألعاب
النظرية الفقهية عند ابن عثيمين لا تنفصل عن "فقه المآلات". ما الذي يحدث للشخص حين يمارس الدومينو بانتظام؟ يرى الشيخ أن الاستغراق فيها يورث غفلة القلب. ومن الآثار العملية التي نلمسها في ثنايا فتاواه أن اللعب بها في المقاهي أو الأماكن العامة يخدش "المروءة". فالمسلم الحق، في نظر الشيخ، أكبر من أن يقضي شطراً من يومه في مطاردة أرقام على قطع من العاج أو البلاستيك.
لذلك، فإن التبعات العملية لمن يسأل عن حكمها تقتضي الحذر الشديد. فإذا كان الشخص ممن يبتلى بإدمانها بحيث تؤثر على واجباته الأسرية أو الوظيفية، فإن الفتوى في حقه تميل إلى المنع لضررها الواقعي. ابن عثيمين كان يؤمن بأن "الترويح المباح" هو الذي يعقب نشاطاً في الطاعة، لا الذي يورث خمولاً وبلادة في الحس الإيماني. إنها معادلة دقيقة بين "الحق في اللعب" وبين "واجب الوقت"، وهي المعادلة التي تجعل من إجابة الشيخ عن الدومينو إجابة تربوية قبل أن تكون مجرد حكم قانوني جاف.
أبرز الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء عند ممارسة الدومنة
يقع الكثير من الممارسين لهذه اللعبة في أخطاء شرعية وسلوكية قد تخرج اللعبة من دائرة الإباحة الأصلية إلى دائرة الكراهة أو التحريم. من أبرز هذه الأخطاء هو الغفلة عن الصلاة؛ حيث يرى الشيخ ابن عثيمين أن أي لهو يؤدي إلى تأخير الصلاة عن وقتها أو التهاون في أدائها مع الجماعة يصبح محرماً لذاته. كما ينتشر بين اللاعبين استخدام الألفاظ النابية أو الحلف الكاذب بدافع الحماس، وهو ما ينافي أخلاق المسلم التي أكد عليها الشيخ في فتاواه.
لضمان بقاء اللعبة في إطار الترويح المباح، ينصح الخبراء بوضع ضوابط زمنية صارمة لا تتجاوز الساعة، لضمان عدم ضياع الوقت فيما لا ينفع. كما يجب التأكد تماماً من خلو المجلس من القمار المستتر، مثل اشتراط أن يدفع الخاسر ثمن المشروبات أو وجبة العشاء، فهذا يدخل اللعبة مباشرة في حكم الميسر. إن الالتزام بآداب المجلس وخفض الصوت وتجنب المشاحنات يجعل من الدومنة وسيلة تجديد للنشاط الذهني بدلاً من أن تكون مصدراً للآثام والمشكلات الاجتماعية.
الأسئلة الشائعة حول حكم الدومنة
1. هل لمس أحجار الدومنة ينقض الوضوء أو فيه نجاسة؟
لا يوجد في نصوص الشريعة أو في فتاوى الشيخ ابن عثيمين ما يشير إلى نجاسة هذه الأحجار. هي مجرد أدوات مصنوعة من البلاستيك أو العاج، ولمسها لا ينقض الوضوء أبداً، والأصل في الأشياء الطهارة ما لم يثبت العكس.
2. ما الحكم إذا كانت اللعبة تعتمد على الحظ بشكل كامل؟
يرى الفقهاء، ومنهم ابن عثيمين، أن الألعاب التي تعتمد على المصادفة المحضة (مثل النرد) تكون أشد كراهة أو تحريماً من الألعاب التي تعتمد على الذكاء والحساب. الدومنة مزيج بينهما، فإذا غلب عليها جانب التفكير والحساب خف أمرها، بشرط عدم وجود رهان مالي.
3. هل يجوز لعب الدومنة مع أفراد الأسرة في البيت؟
نعم، يجوز ذلك بل قد يكون وسيلة لصلة الرحم وإدخال السرور على الأهل، بشرط ألا تلهي عن ذكر الله، وألا تتضمن سخرية أو استهزاء، وأن تظل في حدود التسلية العابرة التي لا تستهلك معظم وقت اليوم.
الخلاصة ورأي المحرر
بعد استعراض منهج الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين والقواعد الفقهية العامة، نخلص إلى أن الدومنة في حد ذاتها ليست حراماً لذاتها، بل الحرمة تتعلق بما يصاحبها من سلوكيات. الرأي الراجح هو ضرورة التعامل معها كأداة ثانوية للترفيه وليست غاية في حد ذاتها. إن الاعتدال هو المفتاح؛ فمتى ما تحولت اللعبة إلى إدمان يسرق الوقت أو يسبب الشقاق بين الأصدقاء، وجب تركها فوراً تغليباً لمصلحة الدين والنفس.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.