الإجابة المباشرة والصادمة للبعض هي أن التشجيع في أصله ليس حراماً، بل هو من المباحات التي تندرج تحت الترويح عن النفس، لكن هذا الجواز "المشروط" ينهار تماماً حين يتحول الانتماء للون أو قميص إلى "وثنية معاصرة" تُمزق نسيج الولاء والبراء، أو حين تصبح المدرجات ساحات للقذف والسباب وضياع الصلوات. إننا أمام شعرة فاصلة بين المتعة البريئة والتعصب المقيت الذي يورث الشقاق بين المسلمين، مما يجعل الحكم يدور وجوداً وعدماً مع ما يصاحب هذا الفعل من ممارسات.

الجذور والأسس: كيف يقرأ الفقه الإسلامي ظاهرة "الانتماء الرياضي"؟

بعيداً عن التشنج، يجب أن ندرك أن النفس البشرية جبلت على حب الغلبة والميل إلى طرف دون آخر، وهو ما لم ينكره الشرع في المسابقات التي تخدم مصلحة حقيقية، لكن الإشكالية تطل برأسها حين نستدعي مصطلح "الولاء والبراء" في غير موضعه. إن بناء العقيدة الإسلامية يقوم على أن الحب والبغض يجب أن يكونا لله وفي الله، بينما نجد اليوم شباباً يوالون "أجنبياً" لا يمت لدينهم بصلة لمجرد مهارته في ركل الكرة، ويعادون أخاً لهم في العقيدة والوطن لأنه يشجع خصماً تقليدياً. هذا الخلل في الموازين هو "الداء العضال" الذي يخرج التشجيع من دائرة المباح إلى دائرة الكراهة أو التحريم.

القواعد الفقهية تخبرنا أن "الوسائل لها أحكام المقاصد"، فإذا كان التشجيع يهدف إلى تقوية البدن أو التنفيس المنضبط فلا بأس، أما إذا صار الغرض هو الفخر والخيلاء وتكريس القبلية الكروية، فنحن أمام منزلق خطير. إن الفقهاء حين يتحدثون عن "اللهو" يقسمونه إلى لهو مباح ولهو باطل، والمقياس هنا هو هل يشغلك هذا الفعل عن ذكر الله وعن الواجبات الدينية والدنيوية؟ إذا كانت "صافرة الحكم" أهم لدى المشجع من "تلبية النداء" في المسجد، فإن الحكم هنا يتجاوز مجرد الكراهة ليصل إلى الحرمة بسبب تضييع الفرائض.

التشريح العميق: متى تتحول المنصة إلى منبر للفتنة؟

دعونا نغوص في التفاصيل الدقيقة التي تغيب عن أذهان المتحمسين؛ فالتشجيع المعاصر لم يعد مجرد تصفيق لجهد بدني، بل استحال إلى "أيديولوجيا" لها طقوسها. نجد في المدرجات ما يسمى "الألتراس" أو الروابط التي قد تتبنى شعارات تتضمن استغاثات بغير الله أو تمجيداً لأفراد بصورة مبالغ فيها تصل حد التقديس. هذا النوع من "الغلو" هو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "دعوها فإنها منتنة" قاصداً العصبية الجاهلية. فهل هناك فرق بين عصبية القبيلة في الجاهلية وعصبية "التيشرت" في القرن الواحد والعشرين؟

علاوة على ذلك، يبرز عنصر القمار والمراهنات التي تغلغلت في نسيج الرياضة العالمية، فإذا دخل المشجع في دوامة المراهنة على فوز فريقه، فقد سقط في كبيرة من الكبائر. ولا ننسى "هدر الأموال" الطائلة في شراء التذاكر والملابس بأسعار فلكية في حين يعاني المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها من الفاقة، وهذا يدخل تحت بند "التبذير" الذي نهى عنه القرآن الكريم. إن الانغماس الكلي الذي يغيب العقل ويجعل الفرد يعيش حالة من الهياج