هل تدرك أن القشرة الأرضية التي تسير عليها الآن لا تزيد سماكتها، بمقاييس الكون، عن سمك قشرة تفاحة صغيرة مقارنة بكتلتها الضخمة؟ ومع ذلك، جعلها الخالق مستقرًا للحياة، وأقسم بها في مواضع شتى من القرآن الكريم لإلزام العقل البشري بالتدبر. إن القسم الإلهي بالأرض ليس مجرد لفت انتباه لعظمة الخلق، بل هو توجيه رباني مباشر لسبر أغوار النواميس الفيزيائية والجيولوجية التي تجعل هذا الكوكب واحة معلقة في فضاء موحش ومظلم.

جذور القسم بالكون والأرض في السياق التنزيلى

ارتبط القسم في لغة العرب بتعظيم المقسم به لتأكيد وتثبيت المقسم عليه، بيد أن القسم الإلهي في القرآن الكريم يحمل أبعادًا معرفية أعمق بكثير. عندما نزل القرآن على قريش، كانت النظرة السائدة للأرض نظرة مسطحة بدائية تقتصر على حدود المرعى ومصادر المياه ومسالك التجارة بين مكة والشام. جاء الخطاب القرآني ليزعزع هذه الرؤية الضيقة عبر ربط القسم بالأرض بظواهر كونية كبرى كالسماء والضحى والليل إذا يغشى.

تأصيل هذا القسم يكمن في لفت الأنظار إلى أن هذه اليابسة التي نراها ساكنة مستقرة هي في حقيقتها آية متحركة تخضع لسنن كونية دقيقة للغاية. لم يكن العرب حينها يملكون أدوات فيزيائية تتيح لهم فهم ماهية الغلاف الصخري أو الديناميكية الحرارية لباطن الكوكب، فجاء القسم ليمهد الطريق لعقل بشرى يتطور عبر العصور، حتى إذا ما امتلك أدوات العلم الحديث، أدرك أبعاد الكلمات الربانية وصدمته دقة الوصف القرآني لخصائص الأرض كـ "المهاد" و"الذلول" و"ذات الصدع".

كيف تتجلى عظمة الأرض المقسم بها؟ تدرج بنيوي مذهل

لفهم أسرار هذا القسم الإلهي، يتعين علينا تتبع البناء الجيولوجي والفيزيائي للأرض من الداخل إلى الخارج عبر خطوات متكاملة تبين مدى الإعجاز في تصميمها:

أولًا، تبدأ الحكاية من النواة الحديدية السائلة في مركز الأرض؛ حيث يعمل الدوران السريع للمعادن المنصهرة على توليد مجال مغناطيسي هائل، وهو الدرع غير المرئي الذي يحمي الكوكب من الرياح الشمسية القاتلة والإشعاعات الكونية المدمرة التي تجتاح الفضاء المحيط بنا.

ثانيًا، تأتي طبقة الوشاح التي تتحرك فيها الصهارة بحركات حمل حراري بطيئة للغاية، هذه الحركة هي المحرك الأساسي لحركة الصفائح التكتونية التي تشكل الجبال وتجدد القشرة الأرضية باستمرار، مما يمنع تجمد السطح ويحافظ على حيوية التربة.

ثالثًا، نصل إلى القشرة الخارجية الرقيقة والمفتتة إلى ألواح ضخمة، وهنا تظهر آية "الصدع" التي أقسم الله بها؛ إذ لولا وجود هذه الصدوع والفوالق لتراكمت الضغوط الداخلية في باطن الأرض حتى ينفجر الكوكب بالكامل، فتعمل الصدوع كصمامات أمان تسرب الطاقة بانتظام.

رابعًا، يغلف هذا كله غلاف جوي متوازن بدقة متناهية، ممسوك بجاذبية الكتلة الأرضية المناسبة تمامًا، يحفظ الحرارة ويوفر الأكسجين والنيتروجين بنسب تضمن استمرار العمل

ماذا يقول الخبراء والعلماء عن هذا القسم؟

يرى مفسرو القرآن الكريم وعلماء الشريعة أن القسم الإلهي بالأرض في آيات مثل "والأرض وما طحاها" يحمل دلالات عميقة تلفت الانتباه إلى عظمة الخلق ودقة الصنع. ويؤكد الخبراء أن هذا القسم ليس مجرد لفت نظر عابر، بل هو دعوة صريحة للتدبر العلمي والكوني. فالأرض هي المستقر الوحيد المهيأ تمامًا للحياة وسط هذا الكون الفسيح والموحش. ويشير العلماء إلى أن ربط القسم الإلهي بخصائص الأرض الفيزيائية والجغرافية، كبسطها وتمهيدها وجعلها ذلولًا، يبرهن على الرعاية الإلهية الفائقة للإنسان. فالأرض تعمل كمنظومة متكاملة متزنة تحمي قاطنيها من مخاطر الفضاء الخارجي، مما يجعل هذا القسم بمثابة توجيه مباشر لعقل الإنسان ليبحث، ويكتشف، ويقدر النعمة التي يحيا عليها صباح مساء، وهو ما يربط بين الإيمان الوجداني والبحث العلمي التجريبي.

الأسئلة الشائعة حول القسم بالأرض

لماذا يقسم الله بمخلوقاته كالأرض بينما يُحظر على البشر القسم بغير الله؟

القسم من الله سبحانه وتعالى ببعض مخلوقاته كالأرض، والشمس، والليل، يحمل غايتين عظيمتين: الأولى هي إبراز شرف هذه المخلوقات وعظيم فائدتها للبشر، والثانية هي توجيه عقولنا للتفكر في بديع صنع الخالق سبحانه. أما بالنسبة للبشر، فإن القسم لتعظيم المقسم به، ولا عظيم في الكون يستحق التعظيم المطلق إلا الله عز وجل، لذلك كان القسم بغير الله شركًا ومحظورًا في حقنا، بينما يقسم الله بما يشاء من خلقه لإثبات عظمته وقدرته.

ما العلاقة بين القسم بالأرض وجواب القسم في الآيات القرآنية؟

يأتي القسم بالأرض دائمًا ليمهد الحجة ويهيئ عقل القارئ لاستقبال الحقيقة الكبرى التي يأتي بها جواب القسم، وغالبًا ما يتعلق هذا الجواب بالتوحيد، أو البعث والنشور، أو تزكية النفس البشرية كما في سورة الشمس. فعندما يرى الإنسان عظمة الأرض واستقرارها وصلاحيتها للحياة بعد تمهيدها، يدرك عقليًا وقلبيًا أن من خلق هذا النظام البديع قادر بلا شك على إعادة إحياء الموتى وحساب النفوس، مما يجعل جواب القسم حقيقة بديهية لا غبار عليها.

تساؤل مفتوح يطرق أبواب العقل

إذا كانت الأرض بكل تفاصيلها الدقيقة وجاذبيتها وغلافها الجوي قد سُخرت وأقسم الله بها كآية كبرى لإثبات طلاقة القدرة الإلهية، فهل تعتقد أننا نقترب يومًا من فك كافة أسرار هذا الكوكب، أم أن كل اكتشاف علمي جديد نصل إليه ليس إلا خطوة أولى تكشف لنا مدى جهلنا بملكوت هذا المستقر الذي نعيش عليه؟