الجواب المباشر واليقيني الذي يبحث عنه الجميع: لا يوجد شيء عينه الله تعالى وعجز عن القسم به، بل إن الله عز وجل لم يقسم بـ ذات العبد العاصي أو الكافر تكراماً وتشريفاً لمقام القسم، بينما أقسم بمخلوقات شتى كالبروج والطور والبلد الأمين. يظن البعض واهينًا أن هناك مخلوقاً مستعصياً على القسم الإلهي، لكن الحقيقة القرآنية تكشف أن القسم في القرآن الكريم يدور مدار التشريف والتعظيم، أو لتوجيه أنظار البشر إلى عظيم صنع الخالق، لذا تنزه القسم الإلهي عن الأمور الخسيسة أو المذمومة لذاتها، فلم يقسم الله بالخمر أو الرجس مثلاً.

أرقام وحقائق مذهلة حول القسم في النص القرآني الشريف

تتوزع صيغ القسم في القرآن الكريم عبر أكثر من 30 موضعاً صريحاً، حيث تنوعت المقسمات بها بشكل يثير الدهشة والتدبر العيق. أقسم الباري جل وعلا بنفسه العلية في 7 مواضع كاملة، كقوله تعالى "فلا وربك لا يؤمنون"، وهو أسمى أنواع القسم وأعلاها مرتبة. في المقابل، نجد أن المخلوقات حظيت بالنصيب الأكبر من صيغ القسم؛ فقد أقسم الله بالوقت في مواضع عديدة كالضحى، والليل إذا يغشى، والفجر، والعصر، وهي خمسة أوقات زمنية تشير إلى حركة الكون وحياة الإنسان. كما أقسم بمواقع النجوم والطور والبلد الأمين والشمس وضحاها. الغرض الرياضي والبياني من هذا التكرار ليس مجرد تأكيد الخبر، بل هو لفت انتباه العقل البشري المحدود إلى نواميس الكون التي يسير عليها هذا الوجود بدقة متناهية لا تقبل الخلل أو الصدفة.

مقارنة بين المقاربات التفسيرية: ما يقسم به وما يتنزه عنه القسم

تختلف المدارس التفسيرية في تصنيف الأشياء التي لم يقسم بها الله في القرآن الكريم بناءً على دلالة القسم نفسه. تذهب المدرسة الأولى، وهي مدرسة التعظيم والتشريف، إلى أن الله لا يقسم إلا بعظيم، وبالتالي فإن الأشياء المحتقرة، النجاسات، والشرور المحضة هي ما لم يقسم به الله مطلقاً تنزيهاً لكلامه وتحقيقاً لمهابة القسم الإلهي. في المقابل، ترى المدرسة الثانية، وهي مدرسة الآيات والاعتبار، أن القسم لا يقتصر على الشرف الذاتي للمقسم به، بل يمتد لكون الشيء آية دالة على القدرة. بناءً على هذا المنظور، فإن الأشياء التي لا عبرة في تفاصيلها أو التي لا تشكل ظاهرة كونية كبرى هي التي غابت عن القسم القرآني. هذه المقارنة توضح لنا عمق الفهم السلفي والخلفي لمرامي الخطاب الإلهي، وكيف أن عدم القسم بشيء ما ليس قصوراً فيه بل هو توظيف حكيم للسياق والبيان.

تنبيه حذر: أخطاء شائعة يقع فيها مفسرو العصر الحديث

يسقط الكثير من وعاظ المنصات الرقمية اليوم في فخ التأويل المتسرع، حيث يدعي البعض جهلاً أو تزيناً بالمعرفة أن الله لم يقسم بكذا وكذا بناءً على قراءات سطحية للمصحف. إن القول بأن الله لم يقسم بـ "عقل الإنسان" أو "جسده" يحتاج إلى تحرير دقيق؛ فالإنسان يدخل عموماً في قسم الله بالنفس البشرية في قوله "ونفس وما سواها"، وتصوير الأمر وكأن هناك قطيعة بين النص القرآني وبعض نعم الله هو مسلك وعظي غير دقيق علمياً. يكمن الخطر الأكبر هنا في محاولة إخضاع الغيب والبيان القرآني المعجز للمقاييس العقلية البشرية الضيقة، مما ينتج تفاسير مشوهة تبعد المسلم عن جلال التنزيه الإلهي وتدخله في متاهات الجدل العقيم حول مباحث اللغة وأسرار الحروف دون علم أو هدى.