المحتويات
في عام 1967، صدمت عالمة الفلك جوزلين بيل بورنيل الأوساط العلمية باكتشاف نبضات راديوية منتظمة القادمة من أعماق سحيقة في الفضاء، إشارات غامضة تكرر نفسها بدقة متناهية كأنها دقات ساعة كونية عملاقة، لتفتح الباب على مصراعيه أمام فهم جديد لخصائص الكون الميت. الإجابة المباشرة والقطعية التي يتفق عليها علماء الفيزياء الفلكية اليوم هي: لا، النجم الطارق ليس هو الثقب الأسود، بل هو جرم كوني آخر يُعرف باسم النجم النيوتروني النابض، ورغم التشابه في القوة التدميرية والكتلة، إلا أن لكل منهما هوية فيزيائية منفصلة تماماً.
جذور المعضلة: من التفسير اللغوي إلى المرقب الفلكي
القصة تبدأ من محاولة الربط بين الكنايات القرآنية والمعطيات العلمية المعاصرة، حيث استثارت الأوصاف الواردة في سورة الطارق مخيلة الباحثين، فالطَرق في اللغة العربية يعود أصلاً إلى الضرب والمجيء ليلاً، بينما يصفه النص بأنه "الثاقب" أي المشتد إضاءة أو الخارق للظلام بضوئه. لعقود طويلة، ظل التفسير الكلاسيكي يدور في فلك الشهب أو النجوم المضيئة براقة السطوع، لكن مع طفرة تكنولوجيا المراصد الفلكية وتحليل الإشعاعات الكونية غير المرئية، التقط العلماء إشارات صوتية ناتجة عن تحويل الموجات الراديوية لنجم نيوتروني يدور حول نفسه بسرعة هائلة، فبدا الصوت تماماً كأنه مطرقة تطرق على سندان معدني بقوة وانتظام، مما دفع الكثيرين إلى الربط الفوري بين هذا الاكتشاف المثير وبين الآية الكريمة، وتحول النقاش من مجرد تأمل بلاغي إلى محاولة جادة لإسقاط الفيزياء الفلكية على النصوص القديمة، مما خلق خلطاً شائعاً بين النجوم النابضة والثقوب السوداء نظراً لكونهما ينشآن من نفس الرحم الكوني وهو موت النجوم العملاقة.
آلية السحق الكوني: كيف يتشكل الطارق الحقيقي؟
العملية الفيزيائية لولادة هذا النجم غاية في التعقيد والغرابة، وتبدأ عندما ينفد الوقود النووي داخل قلب نجم عملاق تفوق كتلته كتلة شمسنا بثماني مرات على الأقل. إليك التفاصيل الدقيقة لكيفية حدوث ذلك:
أولاً، يتوقف الاندماج النووي فجأة، مما يؤدي إلى انهيار التوازن الهيدروستاتيكي الذي كان يحافظ على استقرار النجم ضد قوى الجاذبية الهائلة المتجهة نحو الداخل.
ثانياً، يحدث انفجار مستعر أعظم "سوبرنوفا" يطيح بالطبقات الخارجية للنجم في الفضاء، بينما ينضغط قلب النجم الحديدي بسرعة مرعبة تحت تأثير جاذبيته الخاصة.
ثالثاً، تبلغ قوة الضغط حداً يجبر الإلكترونات والبروتونات على الاندماج معاً لتتحول إلى نيوترونات، وتتقارب الجسيمات حتى لا يتبقى بينها أي فراغ ذري تذكر.
رابعاً، ينكمش هذا القلب العملاق ليصبح بقطر مدينة صغيرة لا يتجاوز عشرين كيلومتراً، محتفظاً بكتلة شمس كاملة أو أكثر، مما يخلق كثافة أسطورية؛ ملعقة صغيرة من مادته تزن مليارات الأطنان.
خامساً، نتيجة لقانون حفظ الزخم الزاوي، يشرع هذا الجرم الصغير في الدوران حول نفسه مئات المرات في الثانية الواحدة، مطلقاً حزمتين من الأشعة الراديوية والسينية من أقطابه المغناطيسية، وحين تقاطع هذه الحزم مسار الأرض أثناء الدوران، تظهر للمراصد على شكل نبضات منتظمة أشبه بالطارق، بينما الثقب الأسود يذهب إلى مدى أبعد من الانضغاط حيث تنهار المادة تماماً إلى نقطة متفردة لا تسمح حتى للضوء بالهروب.
النابض PSR B1919+21: أول طارق ترصده البشرية
يعتبر النجم النابض المعروف علمياً باسم PSR B1919+21 حالة دراسية مثالية تجسد هذا السلوك الكوني الفريد بدقة متناهية. يقع هذا الأثر النجمي في كوكبة الثعلب على بعد نحو ألفين سنة ضوئية من الأرض، وعندما رصدته كامبريدج لأول مرة، سادت حالة من الذهول والغموض لدرجة أن العلماء أطلقوا عليه مؤقتاً اسم "LGM-1" اختصاراً لـ "رجال خضر صغار"، ظناً منهم أن الإشارة المنتظمة بدقة تبلغ 1.33 ثانية هي رسالة من حضارة فضائية ذكية تحاول التواصل. تكمن خصوصية هذا النموذج في أنه أثبت عملياً وجود أجرام سماوية "تطرق" الفضاء بإشعاعها بانتظام صارم لا ينحرف بمقدار جزء من المليار من الثانية، مما جعله الدليل الدامغ على أن النجوم النابضة هي كيانات فيزيائية حقيقية وليست مجرد فرضيات رياضية، ممهداً الطريق لفصل اللبس بين الأجرام النابضة التي تبث الإشارات، والثقوب السوداء الصامتة التي تبتلع كل شيء.
ماذا يقول الخبراء والعلماء عن هذه المقارنة؟
يتفق معظم علماء الفلك ومفسري الفضاء المعاصرين على أن الربط بين النجم الثاقب الذي ذُكر في القرآن الكريم وبين الثقب الأسود يحمل وجهات نظر علمية وتفسيرية متعددة ومتداخلة، لكن التفسير العلمي الأكثر قبولاً وشيوعاً بين المتخصصين يميل إلى أن الطارق هو النجم النابض (Pulsar) وليس الثقب الأسود. يرى خبراء الفيزياء الفلكية أن النجوم النابضة تصدر إشارات راديوية منتظمة ودورية ناتجة عن دورانها المغناطيسي السريع جداً حول محورها، وعند تحويل هذه الإشارات إلى ترددات صوتية مسموعة، فإنها تبدو تماماً مثل طرقات متتالية وقوية تشبه صوت المطرقة الفولاذية، وهو ما يطابق الوصف اللفظي القرآني بشكل مذهل وفريد. في المقابل، فإن الثقب الأسود يمثل مرحلة كونية مغايرة تماماً، حيث يتميز بجاذبيته المطلقة والعاتية التي لا تسمح حتى لأشعة الضوء بالهروب من أفقه الحرج. ويرى الباحثون في الإعجاز العلمي أن وصف "الثاقب" ينطبق بشكل أدق وأوضح على النجم النابض الذي يثقب ظلام الفضاء الدامس بنوره الساطع الشديد وصوته المهيب، بينما الثقب الأسود يبتلع النور والضوء ولا يرسله أبداً. ومع ذلك، يصر فريق آخر من الباحثين على أن الثقوب السوداء تخرق نسيج الزمكان الكوني نفسه بسبب كتلتها الهائلة اللانهائية، مما يجعل المسألة أرضاً خصبة ونشطة للنقاشات المستمرة بين العلوم الحديثة والتفسيرات الدينية المعاصرة.
أسئلة شائعة حول النجم الطارق والثقوب السوداء
هل قامت وكالة الفضاء الدولية ناسا بتسجيل حقيقي لصوت النجم الطارق؟
نعم، قامت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا والمراصد الفلكية العالمية الكبرى بتسجيل الموجات الراديوية النبضية المنبعثة من هذه النجوم وتحويلها عبر أجهزة فيزيائية متطورة إلى ترددات صوتية يمكن للبشر سماعها بوضوح. عند الاستماع إلى تلك التسجيلات الرسمية، يظهر الصوت على شكل طرقات قوية ومتتالية بانتظام شديد تشبه ضربات المطرقة، مما يعزز الفرضية القائلة بأن النجوم النابضة هي التجسيد العلمي الحقيقي لـ "الطارق" الذي يقسم به الله في كتابه الكريم.
هل يمتلك النجم النابض القدرة الفلكية على التحول إلى ثقب أسود؟
من الناحية الفيزيائية الفلكية، الإجابة هي نعم بالتأكيد. يحدث هذا التحول الرهيب إذا زادت كتلة النجم النابض النيوتروني عن حد فيزيائي حرج يُعرف باسم حد أوبنهايمر-فولكوف. فإذا قام هذا النجم بجذب وامتصاص مواد غازية إضافية كثيفة من نجم عملاق مجاور له، وتجاوزت كتلته الإجمالية حاجز ثلاثة أضعاف كتلة الشمس تقريباً، فإن قوى الجاذبية الذاتية الهائلة تتغلب تماماً على ضغط التنافر النيوتروني الداخلي، مما يؤدي إلى انهياره الجاذبي الكامل واللحظي على نفسه، ليتحول في نهاية المطاف إلى ثقب أسود سحيق يبتلع كل ما يحيط به.
سؤال يدعو للتأمل العميق
إذا كان العلم الحديث يكشف لنا يوماً بعد يوم عن أسرار كونية مذهلة تتطابق بدقة متناهية مع نصوص قديمة كتبت قبل قرون طويلة، فهل يمكن أن يأتي اليوم الذي نكتشف فيه أن ما نسميه اليوم بالثقوب السوداء والنجوم النابضة ليس سوى مجرد بوابات فيزيائية لطبيعة كونية أخرى وأبعاد متعددة لم نصل بعد إلى مجرد استيعابها أو تخيلها؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.