المحتويات
هل تعلم أن ربع آيات القرآن الكريم تقريباً ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر باليوم الآخر؟ إن قضية البعث والنشور ليست مجرد تفصيل عقدي هامشي، بل هي الركيزة التي ينبني عليها العمل البشري كله. والدليل القاطع من القرآن على كفر من أنكر البعث يتجلى في وصف الحق سبحانه وتعالى لمنكري المعاد بالضلال البعيد والخسران المبين، بل وقرن إنكارهم بالكفر الصريح الصاحب للخلود في النار، حيث يقول عز وجل: "زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ".
جذور الإنكار: كيف رأت البشرية العود الأبدي؟
منذ فجر التاريخ، وقفت البشرية حائرة أمام لغز الموت. تحولت أجساد الموتى إلى تراب، وظن العقل البشري القاصر، الغارق في مادياته، أن هذه هي النهاية الحتمية والنهائية. في بيئة الجزيرة العربية قبل الإسلام، ساد فكر مادي بحت عبّرت عنه المقولة الشهيرة التي خلدها القرآن: "مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ". كان هذا الجحود نابعاً من قياس قدرة الخالق اللامتناهية على قدرة المخلوق العاجزة. لم يستوعب أولئك أن الذي أوجد النواة من عدم، قادر بموجب المنطق العقلي الصرف على إعادة تركيبها بعد التشتت. إن خلفية هذا الصراع العقدي تتمحور حول مفهوم العدالة الإلهية؛ فبدون بعث وحساب، تصبح الحياة مسرحاً عبثياً يستوي فيه المحسن والمسيء، وهو ما ينزه الله عنه نفسه في كتابه الكريم، معتبراً هذا الظن من شيم الذين كفروا.
تفكيك الشبهة: كيف يبني القرآن حجة البعث تفصيلاً؟
يتدرج النص القرآني في هدم عقيدة الإنكار عبر خطوات عقلية وعلمية باهرة تلجم المنكرين. تبدأ الخطوة الأولى بالتذكير بالنشأة الأولى؛ حيث يخاطب الله الإنسان بلفظ يوقظ وعيه: "أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ". هنا يتجلى التحدي. تنتقل الآيات سريعاً إلى الخطوة الثانية، وهي القياس المنطقي الذي يسميه علماء الأصول "قياس الأولى"، فمن خلق السماوات العظام والأرض الشاسعة أهون عليه قطعاً إعادة خلق إنسان ضئيل الحجم. الخطوة الثالثة تتمثل في لفت الأنظار إلى الطبيعة المنظورة، كإحياء الأرض الميتة بالماء، فاهتزاز الأرض بالخضرة بعد الموت السريري هو برهان حسي يومي يشاهده الملحد والمؤمن على السواء. الخطوة الرابعة والأخيرة ترتب الحكم العقدي الصارم: إن إنكار هذه الحجج الواضحة ليس جهلاً بحتاً، بل هو جحود وعناد محض، ولذلك حكم القرآن بكفرهم لأنهم كذبوا بصفات الكمال الإلهي كالقدرة والعلم المحيط بكل شيء.
معركة العاص بن وائل: تجسيد حي للعناد البشري
لنعبر بآلة الزمن إلى مكة، وتحديداً إلى لحظة مجيء العاص بن وائل السهمي إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حاملاً في يده عظماً رميماً بالياً. قام العاص بفتّ العظم بيده حتى تحول إلى غبار تذروره الرياح، ثم قال بلهجة ملؤها التحدي والغطرسة: "يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا بعدما رمّ؟". لم يكن هذا السؤال رغبة في المعرفة، بل كان استهزاءً عارماً بالمعاد. نزلت الآيات فوراً لتسحق هذا الصلف الإنساني وتضع النقاط على الحروف عاقدة الكفر على منكر البعث. قال تعالى: "وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ". هذا المثال التاريخي يوضح كيف ينسى الإنسان أصله النطفة ويتحول إلى مجادل شرس ينكر البديهيات.
ماذا يقول الخبراء والمفسرون عن منكري البعث؟
يؤكد علماء الشريعة ومفسرو القرآن الكريم أن إنكار البعث ليس مجرد خطأ فكري، بل هو هدم لأصل من أصول الإيمان الستة. ويرى الخبراء في العقيدة الإسلامية أن الآيات القرآنية التي تناولت هذا الجانب جاءت بصيغ حاسمة لا تحتمل التأويل، حيث ربط القرآن الكريم بين إنكار الحياة الآخرة وبطلان العمل بالكلية. يوضح المفسرون أن العقل السليم، كما تبينه الأدلة القرآنية، يستلزم وجود يوم للحساب؛ لأن غياب البعث يعني غياب العدالة الإلهية، وهو ما ينزه الله عنه. لذلك، يجمع العلماء على أن الجحود باليوم الآخر يخرج صاحبه من ملة الإسلام، كونه تكذيباً صريحاً لنصوص قطعية الثبوت والدلالة، وتجريداً للوجود من غايته الأخلاقية والروحية التي قامت عليها الرسالات السماوية كلها.
أسئلة شائعة
ما هي أبرز الآيات التي صرحت بكفر منكر القيامة والنشور؟
لقد وردت آيات كثيرة تصرح بهذا الأمر بشكل مباشر، ومنها قوله تعالى في سورة التغابن: "زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ". في هذه الآية، وصف الله تعالى منكري البعث بالذين كفروا بشكل قاطع، وأمر نبيه أن يقسم بربه على وقوع البعث حتماً، مما يقطع دابر الشك ويؤكد أن إنكار هذه الحقيقة هو عين الكفر.
هل يحكم بالإسلام على شخص يؤمن بالله ولكنه يشك في البعث الجسدي؟
الإيمان في العقيدة الإسلامية كل لا يتجزأ، والشك في البعث الجسدي أو إنكاره يبطل الإيمان تماماً حتى لو ادعى الشخص إيمانه بوجود الله. فالقرآن الكريم رد على المشركين الذين قالوا "مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ" بقوله "قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ". وبالتالي، فإن إنكار إعادة الأجساد هو تكذيب لقدرة الله ولأخباره، مما ينافي أصل الإسلام.
سؤال مفتوح برسم التفكير
إذا كان القرآن الكريم قد قدم أدلة عقلية وحسية قاطعة لإثبات البعث والنشور، فلماذا يصر البعض في العصر الحديث على إنكار الحياة الآخرة، هل هو قصور في الفهم العقلي، أم هروب نفسي من مسؤولية الحساب والعدالة الإلهية؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.