المحتويات
تكمن قدرة الله المطلقة في نفاذ مشيئته سبحانه وتعالى فوق كل سبب وعلة، حيث لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يحده زمان أو مكان أو قانون طبيعي. إنها الاستطاعة التامة والكاملة التي أوجد بها العدم، ويسير بها هذا الكون الفسيح بدقة متناهية لا خلل فيها. تعني ببساطة أن كل ما يتصوره العقل من ممكنات، وما يعجز عن تصوره، يقع تحت سلطان طلاقته عز وجل، دون عناء أو قيود، فإذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.
الجذور العقائدية والتأسيس المعرفي لطلاقة القدرة
إن سبر أغوار هذا المفهوم يتطلب أولاً تجريد الفكر البشري من قياس الغائب على الشاهد؛ فالبشر يربطون القدرة بالقوة البدنية، أو الأدوات المساعدة، أو خرق الحواجز المادية، بينما القدرة الإلهية منزهة عن كل هذه المحدوديات. في الفكر الإسلامي الرصين، يُنظر إلى القدرة كصفة أزلية قائمة بذاته سبحانه، تتعلّق بجميع الممكنات العقيلة، إيجاداً وإعداماً، على وفق الإرادة والعلم المحيط. هذا يعني أن القوانين الفيزيائية التي نراها ثابتة حولنا، كجاذبية الأرض وغليان الماء، ليست قوى ذاتية مستقلة، بل هي مجرد سنن كونية اختار الخالق جريانها، وهو قادر في لمحة عين على تعطيلها أو قلب حقائقها. تتبدى هذه الأصالة العقائدية عند تأمل الفارق الجوهري بين الممكن والمستحيل؛ فالقدرة تتوجه للممكنات كلها مهما عظمت أو دَقّت، بينما يخرج المستحيل الذاتي - كوجود شريك له أو اجتماع النقيضين - عن دائرة التعلق اصطلاحاً، لأنه لا شيء في أصله، وعدم تجسده ليس عجزاً في القدرة، بل هو لاستحالة ماهية الشيء نفسه.
تفكيك العمق الفلسفي والتحليل المفهومي للمطلق
حين نتحدث عن "المطلق"، فإننا نرفع كل سقف يتخيله الذهن الإنساني المتأثر بالنسبيّة. التحليل المفهومي يقودنا إلى أن عجز الإنسان عن استيعاب كنه الصفة لا يعني نفيها، بل هو دليل على قصور الأداة الإدراكية لديه. إن الذات الإلهية لا تُقهر ولا تُغلب، وتصرفها في الوجود تصرف المالك الحقيقي بلا منازع. لنتأمل كيف تتجلى هذه الطلاقة في خوارق العادات والمعجزات التي أيد بها الأنبياء؛ فقد تحولت النار برداً وسلاماً، وانفلق البحر مسالك يابسة، مما يبرهن للقاصي والداني أن الأسباب المادية مجرد حجاب يسير بأمر مسبب الأسباب. تتجلى عظمة هذه القوة في إدارة الجزئيات والكليات بالتزامن وبذات الدقة، فلا يشغله تدبير مجرة عملاقة تحتوي مليارات النجوم عن إنبات ورقة شجر في ظلمات الأرض، ولا يثقله سماع ملايين الضراعات بشتى اللغات في آن واحد. هذا التوازن المذهل يطيح بكل الفلسفات المادية التي حاولت حصر الإله في دور "المحرك الأول" الذي ترك الكون لآلياته الصماء، ليثبت أن القيومية ديمومة مستمرة.
الانعكاسات الحياتية والآثار العملية في وجدان المؤمن
لا يقف هذا الفهم عند عتبات الجدل النظري أو الترف الفكري، بل يمتد ليعيد تشكيل النفس البشرية من الداخل وصياغة سلوكها اليومي. عندما يستقر في روع المرء أن ربه ذو قدرة مطلقة، ينخلع من قلبه الخوف من المخلوقين، ويتحطم صنم التوجس من المستقبل أو الفقر أو كيد الخصوم، إذ يوقن أن ناصية كل دابة بيده سبحانه. يثمر هذا اليقين طمأنينة وسكينة تعصم النفس من اليأس والقنوط عند نزول الملمات؛ فالمريض الذي استعصى داؤه على الطب، والمكروب الذي سُدت في وجهه السبل، يجدان في طلاقة القدرة ملاذاً رحباً، لأن من يملك تسيير الأقدار قادر على تبديل الحال بين عشية وضحاها. إنها تدفع الإنسان نحو العمل والجد وتحدي الصعاب، معلقاً رجاءه بالقدير، متحرراً من قيود العجز الروحي، فيسير في الأرض واثق الخطوة، مستشعراً معية القوة التي لا تُقهر، ومنطوياً على رضا تام بكل ما يقدره العليم الحكيم.
الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء في فهم القدرة المطلقة
يقع الكثيرون في خطأ فكري شائع عند محاولة استيعاب مفهوم القدرة المطلقة، وهو ربطها بأمور تتناقض مع المنطق العقلاني أو الذات الإلهية. من أبرز هذه الأخطاء هو التساؤل عن قدرة الله على خلق صخرة لا يستطيع حملها، وهو ما يسميه العلماء "المحال العقلي". النصيحة الأهم هنا هي إدراك أن قدرة الله تتعلق بالممكنات لا بالمستحيلات الذاتية؛ فالمستحيل ليس شيئاً موجوداً لتعلق به القدرة أساساً، بل هو انعدام محض.
خطأ آخر يتمثل في خلط البعض بين الإرادة والرضا، فالقدرة المطلقة تعني أن كل ما يحدث في الكون يقع بإذن الله وقدرته، لكن هذا لا يعني رضاءه عن الأفعال السيئة التي يختارها البشر بحريتهم. ينصح الخبراء بضرورة تعزيز الوعي الإيماني من خلال القراءة المنهجية، والتركيز على أن طمأنينة القلب تكمن في تسليم العبد لربٍّ قادرٍ حكيم، يضع كل شيء في موضعه الصحيح دون عبث.
---الأسئلة الشائعة حول قدرة الله المطلقة
س1: إذا كانت قدرة الله مطلقة، فلماذا يوجد الشر والمعاناة في العالم؟
ج: القدرة المطلقة لا تعمل بمعزل عن الحكمة الإلهية. وجود الشر النسبي في الدنيا يقع ضمن ابتلاء البشر واختبار حريتهم، ولحكمٍ قد تخفى على العقل البشري المحدود، كالتمحيص، وإظهار قيم الخير والصبر، فالكون محكوم بـ منظومة متكاملة وليس بحدث منفرد.
س2: هل تتعارض حرية اختيار الإنسان مع قدرة الله المطلقة؟
ج: لا تعارض مطلقاً؛ فالله سبحانه وتعالى بـ قدرته ومشيئته هو من منح الإنسان حرية الإرادة والاختيار ليكون مسؤولاً عن أفعاله. علم الله الأزمن وقدرته المحيطة بكل شيء لا تعني إجبار العبد، بل تعني أن خيارات الإنسان الحرة لا تخرج عن نطاق ملك الله وسلطانه.
س3: كيف تؤثر معرفة القدرة المطلقة على حياة المسلم اليومية؟
ج: تثمر هذه المعرفة التوكل الصادق والتحرر من الخوف من المخلوقين، مما يمنح النفس سكينة مطلقة. كما أنها تفتح باب الرجاء والدعاء بثقة، فالمسلم يعلم أنه يلجأ إلى ربٍّ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، مما يجدد طاقته لمواجهة الصعاب.
---رأي المحرر والكلمة الفصل
في الختام، نرى أن استيعاب معنى قدرة الله المطلقة ليس ترفاً فكرياً أو بحثاً فلسفياً مجرداً، بل هو ركيزة أساسية للاستقرار النفسي والروحي. عندما يدرك الإنسان حدود عقله أمام عظمة الخالق، ينتهي التشتت ويبدأ اليقين. إن القدرة المطلقة المقترنة بالرحمة والعدل هي الملاذ الآمن للإنسان في هذا الكون الصاخب.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.