هل تعلم أن أحدث حسابات الفيزياء الكونية تشير إلى أن ضبط ثوابت الكون يمثل نسبة واحد إلى عشرة مرفوعة لأسس فلكية تعجز الحواسيب عن استيعابها؟ هذه الدقة المتناهية ليست إلا تجلياً صارخاً لما نسميه القدرة الإلهية، وهي باختصار تلك المكنة المطلقة والصفة الأزلية التي تخرج الممكنات من عدم الصيرورة إلى فضاء الوجود دون عجز أو حد. إنها القوة الفاعلة والمشيئة النافذة التي لا يحدها زمان ولا يقيدها مكان.

الجذور التاريخية والمعرفية لمفهوم القدرة الإلهية

لم يكن طرق باب القدرة الإلهية وليد العصور الحديثة، بل ضربت هذه المسألة بجذورها في أعماق الفكر البشري منذ أن نظر الإنسان الأول إلى السماء متسائلاً عن سر الحركة والسكون. خاض المتكلمون المسلمون، لا سيما المعتزلة والأشاعرة، معارك فكرية طاحنة لتفكيك هذا المفهوم؛ فبينما رأى البعض أن القدرة تتعلق بالممكنات عقلاً ولا تنعكس على المستحيلات لذاتها، ذهب آخرون إلى إطلاقها الكلي لتشمل كل ما يتصوره العقل البشري وما يعجز عن تصوره. تقاطعت هذه الأطروحات مع الفلسفة اليونانية القديمة حيث بحث أرسطو عن "المحرك الأول" الذي لا يتحرك، لكن الرؤية التوحيدية أعادت صياغة المشهد بالكامل، فخلعت على هذا المحرك صفات الحياة والإرادة والعلم. تحول المفهوم من مجرد فكرة ميكانيكية باردة إلى عقيدة حية تفسر نشأة الكون وتدفق الحياة في أوصال المادة الصماء، مما جعلها الركيزة الأساسية التي تنبثق منها رؤية الإنسان لنفسه وللعالم من حوله عبر العصور المختلفة.

كيفية تجلي القدرة الإلهية: تراتبية الخلق والإيجاد

يتطلب فهم آلية نفاذ هذه القدرة تفكيكاً دقيقاً لخطوات الإيجاد والتأثير في الكون المشهود. أولاً، يتقدم العلم الإلهي المحيط بكل الكليات والجزئيات، حيث تتحدد ماهية الشيء وصورته قبل خروجه للعلن. ثانياً، تأتي المشيئة والإرادة لتخصيص هذا الشيء بزمان معين ومكان محدد وصفات دون غيرها من الممكنات البديلة. ثالثاً، تتدخل القدرة لتنفيذ هذا التخصيص، وهو ما يعبر عنه الفكر الفلسفي بالانتقال من القوة إلى الفعل، أو من العدم المحض إلى الوجود العيني المشخص. رابعاً، ترتبط هذه الحركة بارتباطات سببية أودعها الخالق في الكون، فالأسباب لا تعمل بذاتها بل بالقدرة المودعة فيها، مما يعني أن استمرار الوجود يحتاج إلى إمداد مستمر ولحظي لا ينقطع، فلو انقطع هذا المدد ثانية واحدة لانهار البناء الكوني كاملاً. خامساً، يظهر هذا التجلي في ترابط القوانين الطبيعية وثباتها، مما يسمح للبشر باكتشاف العلوم وبناء الحضارات بناءً على قراءة سنن الكون الثابتة التي لا تتبدل ولا تتحول.

تأمل في نشأة الخلية الحية الأولى كنموذج تطبيقي

تخيل معملًا متطورًا يحتوي على أرقى التقنيات البشرية، وحاول أن تجمع فيه كافة العناصر الكيميائية الأساسية لبناء خلية حية واحدة. يفشل العلماء حتمًا. هنا تبرز الخلية الحية الأولى كحالة دراسية مذهلة تجسد المعنى الحقيقي للقدرة الإلهية في أبهى صورها. تحتوي أصغر خلية بكتيرية على شفرات وراثية معقدة ومحركات بروتينية تعمل بتناغم مدهش يعجز الذكاء البشري عن محاكاته من الصفر. إن تحول المادة الخاملة، مثل الكربون والهيدروجين والأكسجين، إلى كائن حي ينبض بالحياة، ينمو، ويتكاثر، ويمتلك وعيًا ذاتيًا ببيئته، يمثل طفرة وجودية لا يمكن تفسيرها عبر الصدفة العشوائية أو التراكم الميكانيكي الأعمى. هذا الانتقال النوعي من الموت إلى الحياة، ومن السكون إلى الحركة، هو البرهان العملي المشاهد الذي يسقط أمامه كل ادعاء، مؤكدًا أن وراء هذا النظام الدقيق تدفقًا وجوديًا يستمد طاقته مباشرة من مصدر مطلق القدرة والعلم.

ماذا يقول الخبراء عن القدرة الإلهية؟

يتفق علماء العقيدة والفلاسفة عبر العصور على أن القدرة الإلهية ليست مجرد قوة ميكانيكية، بل هي صفة أزلية مطلقة تتعلق بجميع الممكنات العقليّة. يوضح المحققون أن هذه القدرة لا تُحَد بنطاق، ولا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، لأنها مسبوقة بـ العلم الإلهي المحيط وموجَّهة بـ المشيئة الحكيمة. ويرى الفلاسفة الإلهيون أن مظاهر الكون القائمة على الدقة المتناهية والتناغم الفريد هي انعكاس مباشر لتأثير هذه القدرة في الوجود. كما يؤكد علماء النفس والاجتماع الذين درسوا الفكر الديني أن استيعاب الإنسان لمفهوم القدرة الإلهية يمنحه طمأنينة نفسية عميقة، حيث يدرك العقل البشري أن هناك قوة عليا تدير هذا الكون بحكمة بالغة، مما يحميه من القلق الوجودي والشعور بالضياع في عالم مليء بالمتغيرات والمصادفات الظاهرية.

---

الأسئلة الشائعة حول القدرة الإلهية

س1: هل تتعلق القدرة الإلهية بالمستحيل العقلي؟

ج1: يوضح علماء الكلام أن القدرة الإلهية تتعلق بـ الممكنات العقليّة، أي الأشياء التي يمكن أن توجد أو لا توجد بناءً على المنطق المنسجم. أما المستحيل العقلي (مثل جمع النقيضين أو إيجاد شريك للخالق) فهو ليس شيئاً حقيقياً في الأصل حتى تتعلق به القدرة. العجز هنا لا يعود إلى قصور في القدرة ذاتها، بل لأن المستحيل العقلي مجرد وهم لا يقبل الوجود لذاته، فالقدرة الإلهية منزهة عن العبث وتعمل دائماً وفق الحكمة المطلقة والنظام الكوني الثابت.

س2: كيف تتجلى القدرة الإلهية في حياة الإنسان اليومية؟

ج2: تظهر هذه القدرة بشكل دائم ومستمر في تجدد الحياة، ونبض الخلايا، وحركة الأفلاك، وتسيير الأرزاق. لا يقتصر تجليها على المعجزات الخارقة للعادة فحسب، بل إن القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم عالمنا (مثل الجاذبية وتفاعل المواد) هي في الحقيقة استمرار مستمر لفيض هذه القدرة الإلهية التي تحفظ الكون من الزوال في كل لحظة تمر علينا.

---

سؤال جوهري للتأمل

إذا كانت القدرة الإلهية تحيط بكل ذرة في هذا الكون الفسيح وتدير حركة المجرات اللامتناهية بدقة متناهية، فكيف يختار الإنسان البسيط، بكامل إرادته الحرة، أن يتناغم مع هذه القوة العظمى أو يبتعد عنها؟