المحتويات
يريد الكثيرون إجابة قاطعة ومباشرة: هل لعب الشطرنج جائز عند الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين؟ الإجابة المختصرة هي أن الشيخ يميل إلى التحريم في الغالب الأعم، وهو يرى أنها لا تخلو من الصد عن ذكر الله، ولكن هذا التحريم ليس مطلقاً في كل الأحوال بل مشروط بعلل واقعية شرعية. يضع ابن عثيمين الشطرنج في كفة الميزان الفقهي ليرى مدى طغيان اللعب على الواجبات، فإذا أدت إلى ترك صلاة أو نشوب نزاع، فهي محرمة بلا ريب.
جذور المسألة وأصول الحكم عند فقيه المذهب
حينما نغوص في بحر الفتاوى العثيمينية، نجد أن الرجل ينطلق من قاعدة سد الذرائع، وهي قاعدة صلبة في الفقه الحنبلي الذي تشرب منه الشيخ. الشطرنج في نظر ابن عثيمين ليست مجرد رقعة وبيادق، بل هي "شاغلة للقلب" ومستنزفة للوقت الذي هو رأس مال المسلم. يقول الشيخ بوضوح إن الأصل في الأشياء الإباحة، لكن هذا الأصل يتزعزع أمام نصوص النهي عن الميسر واللعب بما يشبه "النرد". ورغم أن الشطرنج يعتمد على الذكاء لا الحظ، إلا أن الشيخ يرى أن العلة في "النرد" قد تتحقق في الشطرنج إذا استولى على لب الإنسان وجعله يغفل عن تدبير شؤون دينه ودنياه.
الشيخ ابن عثيمين لا يحبذ التهاون في قضايا التسلية التي قد تتطور إلى إدمان سلوكي. إن تحليل الشيخ يتجاوز مجرد الحلال والحرام الظاهري؛ فهو ينظر إلى "المآلات". إن هذه اللعبة، وإن خلت من الرهان المالي (القمار)، فإنها نادراً ما تخلو من الضغينة أو تأخير العبادات. لذا، فإن موقفه هو امتداد لموقف كبار الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن عمر رضي الله عنهما، اللذين رأيا فيها نوعاً من العبث الذي لا يليق بوقار المؤمن.
تشريح التحليل الفقهي: لماذا يميل الشيخ للمنع؟
لماذا يشدد ابن عثيمين في هذه المسألة تحديداً؟ السبب يكمن في ثلاثة محاور رئيسية تشكل هيكل فتواه. أولاً: مشابهة الشطرنج للأصنام في صور التماثيل المستخدمة (الملك، الوزير، الحصان)، والشيخ لديه حساسية فقهية عالية تجاه كل ما يجسد كائناً حياً، ويرى أن في ذلك شائبة من تعظيم الصور. ثانياً: قضية "المغالاة في التفكير"؛ حيث يرى الشيخ أن إرهاق الذهن في معارك وهمية على رقعة خشبية هو استهلاك للذكاء في غير محله، وكان الأولى بهذا الذكاء أن يوجه لطلب العلم أو عمارة الأرض.
ثالثاً: الربط الشرعي بحديث النرد. ورغم أن الفقهاء اختلفوا في قياس الشطرنج على النرد (لأن النرد يعتمد على الرمي والحظ، والشطرنج على الحذق والتدبير)، إلا أن ابن عثيمين يرى أن الشبه قائم في "اللهو المجرد" الذي يورث قسوة القلب. الشيخ يتساءل دائماً في دروسه: ما الفائدة التي تعود على الأمة من تحرك قطعة خشبية من مربع إلى آخر؟ إذا غابت الفائدة المرجوة، اقترب الفعل من دائرة اللغو، واللغو في ميزان العزيمة العثيمينية مكروه قد يصل للتحريم إذا تكرر وألهى.
الإسقاطات الواقعية والآثار المترتبة على ممارسة اللعبة
في المجالس التي يُمارس فيها الشطرنج، يلاحظ ابن عثيمين نمطاً سلوكياً يرفضه الشرع. يرى أن اللاعبين قد يقضون الساعات الطوال في صمت مطبق أو مشاحنات مكتومة، وهذا الوقت المهدر هو ضياع للأمانة. إن "الضرر الاجتماعي" هو أحد ركائز الفتوى عنده؛ فالرجل الذي يهجر أهله وأولاده ليغرق في حسابات "الكش ملك" هو في نظر الشيخ آثم بتفريقه في رعيته. الفتوى هنا ليست جامدة، بل هي مرتبطة بحال الشخص؛ فمن يمارسها نادراً كترويح عابر دون صور محرمة ودون تأخير صلاة، قد يجد في كلام الشيخ فسحة ضيقة من الكراهة، لكنه لا يشجعه أبداً.
إن الخطورة تكمن في تحول الشطرنج إلى "هوية" أو "شغل شاغل"، وهنا ينتقل الحكم من الكراهة التنزيهية إلى التحريم القطعي. يشدد ابن عثيمين على أن المسلم لم يُخلق للعب، بل خُلقت له هذه الأشياء ليعيش بكرامة وتوازن. لذا، فإن من يتبع فتوى الشيخ عليه أن يدرك أن الميزان هو "التقوى" و "حفظ الوقت"، وليس مجرد البحث عن ثغرة في الحكم ليبرر شغفه بلعبة قد تأكله من الداخل وتسرق منه أجمل لحظات التقرب إلى الله.
تنبيهات هامة ونصائح الخبراء عند ممارسة الشطرنج
عند النظر في فتوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حول الشطرنج، نجد أن التركيز الأساسي ينصب على المقاصد والغايات. من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الممارسون هو الانجراف وراء اللعبة لدرجة "الاستغراق الذهني الكامل" الذي يؤدي إلى تضييع الصلوات أو التقصير في الواجبات العائلية والمهنية. يرى الخبراء الشرعيون أن الأصل في مثل هذه الألعاب هو الترويح، فإذا تحولت إلى شاغل يورث العداوة أو يصد عن ذكر الله، انتقلت من دائرة الجواز (بشروطه) إلى التحريم.
لتحقيق الاستفادة المثلى وتجنب المحاذير الشرعية، يُنصح باتباع الآتي: أولاً، التأكد التام من خلو اللعبة من القمار أو الرهان المالي، فوجود العوض يحولها إلى ميسر بإجماع العلماء. ثانياً، الحرص على عدم استخدام التماثيل المصورة بدقة (ذوات الأرواح) إذا كانت تضاهي خلق الله، والاستعاضة عنها بالأشكال التجريدية. ثالثاً، ضبط الوقت بدقة عبر استخدام "ساعة الشطرنج" لضمان عدم استهلاك ساعات طويلة دون طائل، وهو ما يتوافق مع دعوة الشيخ ابن عثيمين لضرورة حفظ الوقت وحسن استغلاله.
الأسئلة الشائعة حول حكم الشطرنج عند ابن عثيمين
س1: هل يرى الشيخ ابن عثيمين أن الشطرنج محرم لذاته؟
ج: لا، يرى الشيخ أن الشطرنج ليس محرماً لذاته كخنزير أو خمر، بل تحريمه يعود لعوارض خارجية. فإذا اشتمل على قمار، أو صد عن ذكر الله وعن الصلاة، أو أحدث شحناء بين المسلمين، فإنه يحرم. وفي حال خلوه من هذه المحاذير، يبقى محل نظر وتردد، والأحوط للمسلم تركه اشتغالاً بما ينفع.
س2: ما هو ضابط "تضييع الوقت" الذي ذكره الشيخ في فتاواه؟
ج: الضابط هو أن تؤخر اللعبة واجباً شرعياً (كصلاة الجماعة أو بر الوالدين) أو واجباً حياتياً ضرورياً. يشدد الشيخ على أن الوقت هو رأس مال المسلم، فإذا أصبحت اللعبة "ديدناً" للشخص بحيث يقضي فيها جل يومه، دخلت في دائرة الكراهة الشديدة أو التحريم حسب ما تؤول إليه من تضييع للفرائض.
س3: هل تجوز المشاركة في بطولات الشطرنج الرسمية بناءً على هذه الفتوى؟
ج: يعتمد ذلك على نظام البطولة؛ فإذا كانت الجوائز مقدمة من طرف ثالث (متبرع أو جهة راعية) دون أن يدفع اللاعبون رسوماً تدخل في الجوائز، فقد خفت الحدة التحريمية. ومع ذلك، ينصح الشيخ دوماً بالابتعاد عن مواطن الشبهات، خاصة إذا كانت هذه البطولات تتطلب السفر أو الاختلاط غير المشروع أو تضييع الجمعة والجماعة.
خلاصة الرأي والتحرير العلمي
من خلال استقراء مجموع كلام الشيخ ابن عثيمين، يتضح لنا منهج وسط يقدر قيمة العقل ولكنه يقدس الوقت والواجبات الشرعية. الرأي الفصل هو أن الشطرنج "وسيلة" وليس "غاية"؛ فمن استخدمه لتنمية مهارات التخطيط والذكاء في وقت فراغ محدود، مع الالتزام التام بالصلاة والآداب الشرعية وخلو اللعبة من الرهان، فلا حرج عليه عند ضيق المخرج. ومع ذلك، يبقى الورع والاشتغال بما ينفع في الدين والدنيا هو المسلك الأرشد الذي كان يميل إليه الشيخ دائماً، فالمؤمن كيس فطن يعرف كيف يستثمر أنفاسه فيما يثقل ميزانه يوم القيامة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.