ابن خلدون ونقد نظرية لون البشرة
كان ابن خلدون من أوائل المفكرين الذين واجهوا الخرافات المنتشرة في عصره بمنطق عقلي ورؤية علمية متميزة. من بين ما تناوله في كتابه الشهير المقدمة، كان رده القاطع على الأفكار التي كانت تنتشر حول سواد بشرة أهل السودان، حيث كان البعض يزعم أن هذا اللون ناتج عن لعنة أو خزي ديني، مرتبط بأسطورة نوح وحام، التي تقول إن حام لُعن فكان أولاده سودًا وذُلوا بالرق.
يُصرّ ابن خلدون على رفض هذه الفكرة جملةً وتفصيلاً، معتبرًا إياها من باب الخرافة والجهل. ويوضح أن اختلاف لون البشرة بين الشعوب لا علاقة له باللعنات أو الأحكام الدينية، بل هو نتيجة للطبيعة والمناخ. فهو يرى أن الحر الشديد في بلاد السودان يُكسب البشرة السواد، كما أن البرد الشديد في أقصى الشمال يؤثر في لون البيضان. هذه الملاحظة تُعدّ تقدّمًا فكريًا كبيرًا في القرن الرابع عشر، إذ كان ابن خلدون يفسر الظواهر الاجتماعية والجسدية بعلائق مادية وبيئية، لا بأساطير أو خرافات.
وبذلك، لم يكن ابن خلدون مجرد مؤرخ، بل فيلسوفًا لل история، سعى لفهم المجتمعات من خلال عوامل جغرافية واجتماعية، ورفض التحيّزات العرقية التي لا سند لها. موقفه من السودان يُظهر شجاعته الفكرية، وحرصه على العقل والمنطق في زمن سادت فيه المقولات الجاهلة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.