أخنوخ: الرجل الذي رفعه الله إلى السماء
في سفر التكوين، يُذكَر قصة غامضة لكنها عميقة عن رجل لم يمت كبقية الأنبياء، بل رُفع من قبل الله مباشرةً. إنه أخنوخ، الذي عاش 365 سنة، وسار مع الله سيرًا صادقًا، حتى قال النص: "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ، لأَنَّ ٱللهَ أَخَذَهُ" (تكوين 5: 24).
هذه العبارة البسيطة تحمل لغزًا كبيرًا. فبينما يُسجَّل موت جميع الآباء من بعد آدم، لا يُذكر لأخنوخ موتٌ. ولهذا، تفسّر العديد من التقاليد اليهودية والمسيحية أن الله رفعه إلى السماء حيًا، كمكافأة على تقواه وطهارته. يُنظر إليه كشخص نادر، اختاره الله ليُنجّيه من فساد العالم، ويُقرّبه إليه مباشرة.
في الكتابات اليهودية اللاحقة، مثل سفر أخنوخ، تُوسّع القصة، ويُصوّر أخنوخ كمرشد روحي يُعرَض عليه رؤى عن السماء والآخرة. أما في التقليد الإسلامي، فيُذكر إدريس (الذي يُعتقد أنه هو أخنوخ) في القرآن: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا" (سورة مريم، 56-57)، ما يعزز فكرة الصعود الروحي.
رغم اختلاف التفسيرات، تبقى قصة أخنوخ تذكرة قوية بأن التقوى الحقيقية قد تُكافأ بقرب غير مألوف من الله. لم يمت، بل "أُخذ" — لغة تثير التأمل، وتُبقي الباب مفتوحًا أمام إيمانٍ يرى في السماء ليس مكانًا بعيدًا، بل واقعًا يمكن أن يُلامس الإنسانَ الصادق.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.