النبي وتعليمته في تغيير الشيب

كان النبي محمد ﷺ حريصًا على أن يُظهر المسلم في أحسن صورة، دون إسراف أو تشبّه، بل باتزان واعٍ يراعي السنن والقيم. ومن ذلك ما ورد في مسألة تغيير الشيب، فقد نهى -عليه الصلاة والسلام- عن استخدام اللون الأسود للتخفي من البياض، قال رسول الله ﷺ: "غيروا هذا الشيب، واجتنبوا السواد".

هذا الحديث يحمل في طياته حكمة بالغة. فالنبي ﷺ لم يمنع تغيير الشعور البيضاء، بل شجّع عليه، لكنه حدّد الطريقة؛ فاستخدام الألوان الطبيعية كالأحمر أو الأصفر أو غيرها جائز، أما السواد، فقد خصّه النهي. والسبب في ذلك يعود إلى أن التغيير بالأسود قد يكون وسيلة للخداع أو التشبه بالشباب زورًا، أو للهروب من حقيقة الكبر التي هي نعمة وذكرى بالآخرة.

وهذا ما ظهر جليًّا في حادثة أبي قحافة، والد الصديق رضي الله عنه، حين دخل على النبي ﷺ يوم فتح مكة، وشعره ولحيته شديدة البياض، كأنها "الثغامة"، وهي نبات أبيض كثيف، فلم ينكر النبي ﷺ على ذلك، بل أمره بتغيير شيبه، لكنه أضاف: "وجنبوه السواد". دليل على أن الأمر ليس رفضًا للتجمّل مطلقًا، بل تنظيم له.

إذًا، الأسود لم يُحرّم لذاته، بل بسبب ما قد يحمله من تغيير مخلّ بالفطرة أو يوحي بالنفاق. وفي هذا توجيه لأهل الإيمان إلى الوسطية؛ فهم لا يخجلون من بياض الشيب، ولا يستبدلونه بأسود يُنكر، بل يعتمرون الحياة بصراحة وجمال.

شاهد أيضاً

مقالات مفصلة

مواضيع ذات صلة