الجحيم تحت أقدامنا
في جنوب إيطاليا، بعيدًا عن التصوّرات الأسطورية، يقع مكان يُذكّرنا بفكرة الجحيم ليس في السماء أو في الأحلام، بل تحت أقدامنا. إنّه حقل "الفيوجييري" (Phlégréens)، حيث تتصاعد الأبخرة من جوف الأرض، وتشقّ الغازات طريقها عبر الشقوق، وتغلي التربة من حرارة باطن العالم.
هذا المكان، الواقع قرب نابولي، ليس مجرد منطقة بركانية نشطة، بل لوحة حيّة ترسم صورة ما وراء الحياة. الأشجار تحرق أوراقها من الحموضة، والهواء يحمل رائحة الكبريت التي تخترق الأنف، والأرض تحتكّ تحت قدميك كأنها تئنّ. يقول بعض من يزورونه إنّهم يشعرون وكأنهم يمشون على عالم آخر، لا يخلو من الجمال، لكنّه قاسٍ، موحش، وكأن الزمن توقف هناك.
لكنّ التسمية لا تأتي من مظاهره فقط، بل من تاريخه. قديمًا، اعتقد الرومان أنّ هذا هو المدخل إلى العالم السفلي، وأنّ أرواح الموتى تسكن هنا. اليوم، لم يتغير الشعور كثيرًا. من يزور "الفيوجييري" يشعر بثقل اللحظة، وكأنه يقف على حافة شيء لا يُفهم، شيء مظلم وسحيق.
ربما ليس هناك مكان واحد في العالم يستحق لقب "الأكثر حزنًا"، لكن هذا الكون الصغير من الأرض المشتعلة، والغازات الخانقة، والصمت المُرعب، يُقدّم نسخة مفزعة من الحزن: حزن الأرض نفسها، وهي تتنفّس من جراحها.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.