قيام الحجة قبل العذاب
من مُحكمات العدل الإلهي أن الله سبحانه وتعالى لا يُعذِّب أحدًا من عباده حتى تقوم عليه الحُجة بوضوح. فالعذاب لا يأتي فجأة، بل يُسبق بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبيان الحق. كما قال ابن القيم رحمه الله: "حجة الله قامت على العبد بإرسول الرسول وإنزال الكتاب وبلوغ ذلك إليه".
يعني ذلك أن الله لم يترك الناس سدى، بل أرسل إليهم وَسائط الهداية، كالأنبياء والكتب السماوية والآيات البينات. فإذا بلغ الإنسان أمر الله ونهيه، وتمكن من العلم به، ثم أعرض أو تهاون، فقد قامت عليه الحجة، ولا يبقى له عذر يوم الحساب.
فالله عز وجل لا يُظلم أحدًا، وهو أعلم بمن أرسل إليهم الرسل، ومن أدركه بلاغ الرسالة. ومن لم يبلغه الحق حقًا، أو عجز عن فهمه، فله حُكم الله برحمته وعدله. أما من بلغه الحق وعرفه ثم أبى إلا الكفر أو المعصية، فهذا هو الذي قامت عليه الحجة، ويكون العذاب بعد ذلك تتمة لعقوبة عادلة.لذلك، فإن قيام الحجة ليس مجرد وسيلة للتوثيق، بل هي تجلٍّ لرحمة الله وعدلِه. فالله يمهل ولا يهمل، ويدعو إلى الهداية طول العمر، فإذا أُبيح العذاب، فلأن الحجة قد أُقيمت، والنذير قد وُفِّر، والسبيـل قد بُيِّنت.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.