من يظن نفسه مظلومًا وهو الظالم
كثيرًا ما يشعر الإنسان بأنه مظلوم، يرى نفسه ضحية الظلم والجور، ويحمل كل التفاصيل لتبرير موقفه، ويعتبر خصمه ظالمًا بلا حق ولا عدل. لكن الحقيقة قد تكون غير ذلك، فما كل من اعتقد أنه مُحقًا يكون كذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، وأن خصمه هو الظالم المبطل من كل وجه، ولا يكون الأمر كذلك. ففي كثير من الخصومات، لا يكون أحد الطرفين على حق مطلق، ولا الآخر على باطل تام، بل يكون لكل منهما نصيب من الحق ونصيب من الباطل.
وهذا نمط شائع في النزاعات، سواء بين الأفراد أو الجماعات. فالنفس البشرية تميل إلى تبرير أفعالها، ورؤية الظلم في الآخرين، وتجاهل ما قد يكون منها من خطأ أو تجاوز. ومن هنا تأتي أهمية التأمل، والرجوع إلى الضمير، وطلب النصيحة من أهل الخير والحِكمة قبل الاسترسال في الغضب أو المطالبة بحقوق قد لا تكون كاملة.
فالإنسان إذا وقف أمام نفسه صادقًا، تبين له أن الخصام لا يبدأ دومًا من الطرف الآخر، بل قد يكون له دور فيه، ولو جزئي. والعدل لا يعني التمسك بالحق فقط، بل يتضمن الاعتراف بالظلم إن وُجد في النفس، ولو كان طرفًا صغيرًا.
لذلك، من حكمة التعامل مع النزاعات أن نسأل أنفسنا أولًا: هل أنا حقًا مظلوم بالكامل؟ أم أن في موقفي شيئًا من التسرع أو التوسع؟ فمعرفة الحقيقة، ولو كانت مُرَّة، تُقرب من الحل، وتبعد عن الإصرار على الباطل باسم الحق.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.