تعتبر الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام العظيمة، وهي النظام المالي والاجتماعي الفريد الذي شرعه الحكيم الخبير لتحقيق التوازن الاقتصادي، وسد حاجات المحتاجين، وتطهير النفوس من الشح والبخل. ولأن توزيع الأموال العامة والخاصة المرتبطة بالعبادات يحتاج إلى دقة بالغة ومنهجية شرعية لا تحتمل الاجتهاد البشري العشوائي، فقد تولى الله سبحانه وتعالى بنفسه تحديد الجهات التي توجّه إليها هذه الأموال، ولم يكل تحديدها لنبي مرسل ولا ملك مقرب.

جاء هذا البيان الحكيم قاطعاً مانعاً في محكم آيات التنزيل الحكيم، وتحديداً في سورة التوبة، حيث يقول المولى عز وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. ومن خلال هذه الآية الكريمة، يتضح بجلاء أن أهل الزكاة أو "مصارفها" ينحصرون في ثمانية أصناف رئيسية، يستعرض هذا الجزء الأول تفصيل أولئك الأصناف بعمق وتحليل فقهي وموضوعي.

أولاً: الفقراء والمساكين (أهل الحاجة والخصاصة)

يأتي الفقراء والمساكين في طليعة أصناف أهل الزكاة وأولهم ذكراً في الآية الكريمة، نظراً لحاجة هاتين الفئتين الملحة للدعم المادي المباشر لضمان مقومات الحياة الكريمة. وعلى الرغم من التقارب اللفظي والدلالي بين الفقر المسكنة، إلا أن علماء الفقه الإسلامي قد وضدوا فروقاً دقيقة ومهمة بينهما تمكن المزكي من وضع المال في موضعه الصحيح.

  • الفقير: هو أشد الناس حاجة وضنكاً؛ فهو إما لا يمتلك شيئاً البتة، أو يمتلك ما لا يبلغ شيئاً من كفايته وكفاية من يعول، كمن لا يجد سوى عشرة بالمائة من احتياجاته الأساسية أو أقل.

  • المسكين: هو أحسن حالاً بقليل من الفقير؛ فهو الذي يجد بعض ما يكفيه، كمن يملك نصف كفايته أو ثلاثة أرباعها، لكنه لا يجد الكفاية التامة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن لقمة عيشه وأسرته على مدار عام كامل.

إن الحكمة من إعطاء الفقراء والمساكين من أموال الزكاة تكمن في نقلهم من دائرة العوز والاحتياج المدقع إلى دائرة الكفاية والاستقرار المعيشي، بحيث لا يضطرون إلى مد أيديهم للناس، وتتحقق بذلك المTHالاة المجتمعية المنشودة. وتُقدر الكفاية المعطاة للفقير والمسكين في هذا المصرف عادة بما يكفيه وأهله لمدة عام كامل، حتى لا يظل محتاجاً في كل شهر، بل يُمنح ما يحقق له الاستقرار المالي المؤقت.

ثانياً: العاملون عليها (إدارة وتوزيع المال بحكمة)

الصنف الثالث من أصناف أهل الزكاة هم "العاملون عليها"، وهم الجهاز الإداري والتنفيذي المكلف بجمع أموال الزكاة، وحفظها، وحساب أنصبتها، وتوزيعها على مستحقيها الشرعيين. ويشمل هذا المصرف الجباة، والمسجلين، والمحاسبين، والمشرفين، وكل من تكلف بعمل في مؤسسة أو ديوان الزكاة.

ولقد تميز هذا المصرف بحكمه الفقهي الفريد؛ فهو الصنف الوحيد من بين الأصناف الثمانية الذي لا يشترط فيه وصف الفقر والحاجة؛ فقد يُعطى العامل على الزكاة من أموالها وإن كان غنياً، وذلك في مقابل عمله وجهده المبذول في خدمة الفريضة وتحصيلها. ويُحدد نصيب العاملين بحسب الأجرة المثلى لعملهم، أو ما يُعرف اليوم بالرواتب والمكافآت الإدارية المخصصة لتسيير أعمال مؤسسات الزكاة، ضماناً لاستمرارية هذا النظام المالي بكفاءة واحترافية عالية.

ثالثاً: المؤلفة قلوبهم (تعزيز الائتلاف والمجتمع)

يُمثل مصرف "المؤلفة قلوبهم" صنفاً استراتيجياً يعكس البعد السياسي والاجتماعي الحكيم للتشريع الإسلامي. وهم الأفراد الذين يُعطون من أموال الزكاة بهدف استمالة قلوبهم وتأليفها نحو الإسلام، أو تثبيتهم عليه إذا كانوا حديثي عهد بالإسلام، أو دفع شرهم عن المجتمع الإسلامي، أو جلب نفع حقيقي للأمة من خلالهم.

ينقسم هؤلاء الأفراد عادة إلى أقسام عدة، منها:

  1. أشخاص شرفاء ومطاعون في عشائرهم يُرجى بإعطائهم إسلام اسلام قومهم أو كف شرهم.

  2. مسلمون حديثو عهد بالإسلام تخشى ردتهم أو ضعف إيمانهم لشدة حاجتهم أو زلزلة بيئتهم السابقة.

ويظل باب هذا المصرف مفتوحاً وفقاً لتقدير ولي الأمر أو المؤسسات الشرعية المختصة بما يحقق مصلحة الإسلام العليا ويدفع عنه المخاطر.

التفسير المبسط لسورة التوبة (60) مصارف الزكاة الثمانية

هذا الفيديو يقدم شرحاً ميسراً لآية مصارف الزكاة الثمانية وتوضيح تفاصيل مستحقيها الشرعيين.

بقية مصارف الزكاة والحكمة من تحديدها

استكمالاً لبيان الأصناف المستحقة للزكاة التي حددها الله تعالى في الآية الكريمة، نجد أن النظام المالي الإسلامي يتميز بشمولية فريدة لا تقتصر على دعم الفقراء فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب التنظيم الإداري، والترابط الاجتماعي، ومعالجة الأزمات الطارئة.

وتتضمن بقية المصارف الشرعية ما يلي:

  • العاملون عليها: هم الجباة والموظفون المكلفون بجمع أموال الزكاة وحفظها وتوزيعها، حيث يُعطون منها نظير جهدهم حتى وإن كانوا أغنياء، لضمان استمرارية هذا النظام بكفاءة وعدالة.

  • المؤلفة قلوبهم: وهم أشخاص يُطمع في إسلامهم أو تقوية إيمانهم، أو كف شرهم عن المجتمع المسلم، مما يحقق مصالح عليا للأمة.

  • في الرقاب: ويشمل ذلك المساهمة في تحرير الأسرى أو فك الرقاب، ومواجهة أشكال استعباد الإنسان أو استغلاله الحديثة.

  • الغارمون: وهم المدينون عجزاً عن سداد ديونهم، سواء أكانت ديونهم في تيسير مصالحة مالية واجتماعية (إصلاح ذات البين)، أو بسبب حاجاتهم المعيشية الطارئة دون إسراف.

  • في سبيل الله: ويُصرف هذا السهم في دعم مصالح المسلمين العامة والدفاع عن الأمة، وكل ما يخدم قضايا الدين ونشر العلم الشرعي النافع.

  • ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع الذي نفدت نفقته وتاه عن أهله وماله، فيعطى ما يبلغه مقصده ووطنه ولو كان غنياً في بلده.

إن تحديد هذه المصارف الثمانية بدقة يعكس حكمة بالغة في توزيع الثروات وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومنع تركز المال بيد الأغنياء وحدهم، مما يرسخ دعائم الاستقرار والأمان في المجتمع.

هل تود معرفة الشروط الواجب توفرها في المزكي لتجيب عليه هذه الفريضة؟