مقدمة حول وفاة نبي الله موسى عليه السلام في التراث الإسلامي

يُعدّ نبي الله موسى بن عمران (عليه السلام) واحداً من أبرز أولي العزم من الرُّسل، وقد حظيت سيرته العطرة باهتمام بالغ في كتب التفسير والحديث والتاريخ عند مختلف المذاهب الإسلامية. وتُمثل قصة وفاته ونهاية مسيرته الرسالية واحدة من المحطات العميقة التي تناولتها المصادر الروائية المعتبرة بخصوصيات وتفاصيل فريدة، لا سيما في المدونات الحديثية الإمامية (الشيعة الاثنا عشرية) التي نقلت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) روايات تكشف عن كيفية قبض روحه الكريمة وظروف ذلك الحدث الجليل.

الروايات الواردة في مصادر الإمامية حول كيفية القبض

تتفق النصوص الواردة عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وغيره من الأئمة الأطهار في التراث الشيعي مع الجو العام للقصص القرآنية والنبوية، لكنها تضيف تفاصيل دقيقة ومبثوثة في أمهات الكتب مثل "الكافي" و"بحار الأنوار". تُشير هذه الروايات إلى أن ملك الموت (عزرائيل) نزل على كليم الله موسى (عليه السلام) بصورة مباغتة لتأدية مهمة قبض روحه.

فعندما جاء ملك الموت مُسلماً ومُعلناً عن هويته وغايته، دار حوار بليغ بين نبي الله وبين مَلَك الموت استعرض فيه موسى (عليه السلام) عظيم منزلته عند الله تعالى، متسائلاً عن موضع قبض الروح، ومُستدلاً بكراماته الخاصة كالتكليم الإلهي وحمله لألواح التوراة بيديه ووطئه لثرى طور سيناء بقدميه الشريفين. واستجابةً لكرامته ومكانته العالية، أُمِر ملك الموت بأن يترك الخيار لموسى (عليه السلام) حتى يكون هو المبادِر والمختار لوقت قبض روحه وكيفيتها عندما يحين الأوان.

تفاصيل اللحظات الأخيرة وحفر القبر

تستعرض الروايات الإمامية المشهد الختامي لحياة موسى (عليه السلام) بأسلوب يمزج بين الإجلال الإلهي والرمزية العميقة؛ إذ تشير النصوص إلى أن موسى مرّ ذات يوم برجل يحفر قبراً (ولم يكن سواه سوى ملك الموت المُتجسد بصورة آدمي)، فعرض عليه المساعدة في حفر القبر وإنجاز لحده.

وبعد الانتهاء من حفر القبر وتوسيع لحده، اضطجع نبي الله موسى (عليه السلام) فيه ليرى كيف هو وكيف سيكون مستقره، فكشف الله عز وجل له عن الغطاء ورأى مكانه ومنزله الرفيع في الجنة. وحينها تجلت رغبته الصادقة في لقاء ربه، فانطلق النداء الإلهي والطلب الخالص من نبي الله: "يا رب، اقبضني إليك"، فقبض ملك الموت روحه الطاهرة في تلك اللحظة المباركة وسوى عليه التراب، ليظل موضع قبره الشريف خفياً لا يعقبه أو يحدد مكانه أحد من البشر بدقة نظراً لكون الحافر هو الملك نفسه بصورة بشرية.

هل تود أن أستكمل لك الجزء الثاني من المقال والذي يتناول الدلالات العقائدية والفلسفية لقصة وفاة موسى عليه السلام في الفكر الشيعي؟

تستكمل الروايات الواردة في المصادر الحديثية والتاريخية عند الشيعة الإمامية تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياة كليم الله نبي الله موسى عليه السلام، مبينة الكيفية التي قُبضت بها روحه الشريفة. فبعد الحوار الذي دار بينه وبين ملك الموت، وخياره بالاستعداد لهذه اللحظة، تشير النصوص المروية عن الأئمة الاطهار (عليهم السلام) إلى أن موسى عليه السلام مرّ برجل وهو يحفر قبراً.

ولم يكن يدرك نبي الله في تلك اللحظة أن ذلك الحافِر لم يكن سوى ملك الموت متشكلاً في صورة إنسان آدمي. فعرض موسى عليه السلام مساعدته في حفر القبر لشدة تواضعه وحبه لعمل الخير، فلما فرغ الحافر من حفر القبر وسوّاه، سأل موسى عن لمن هذا القبر، فأجابه الملك بأنه وُجه لنبي يُشبهه في الصفات والمنزلة. عندها سأل موسى ربه أن يقربه من الأرض المقدسة رمية بحجر، وبدأ بالاضطجاع في ذلك القبر ليرى مكانه وما أعده الله له من النعيم والمنزلة الرفيعة في الجنة.

وفي تلك اللحظة المباركة، التجأ موسى عليه السلام إلى ربه بطلب قبض روحه إليه بعد أن تجلت له عظمة ما ينتظره من الكرامة الإلهية، فقبض ملك الموت روحه الطاهرة بسلاسة ويسر تامين. وتؤكد الروايات الشيعية أن الذي تولى دفن موسى وسوية التراب عليه هو ملك الموت بنفسه بتكليف من الله عز وجل، ولهذا السبب وبسبب خفاء مكان الدفن، ظل قبر موسى بن عمران عليه السلام مخفياً ومجهولاً لا يعلم مكانه أحد على وجه الدقة.

وتُختتم هذه الروايات بالتأكيد على المعاني العميقة لرحيل الأنبياء، حيث تُظهر كيف أن اختيار الأنبياء للموت يكون عن رغبة في لقاء الله تعالى والوصول إلى جواره بعد إتمام رسالاتهم الكبرى، ليظل قبر نبي الله موسى رمزاً للستر الإلهي وتقدبيراً لمكانته العظيمة بوصفه واحداً من أولي العزم من الرسل الذين صبروا في ذات الله تعالى حتى آخر لحظة من حياتهم الشريفة.