مقدمة في فضاء العقيدة واللغة

تُعد قضية "كلام الله" سبحانه وتعالى، وحقيقة نزول القرآن الكريم، من أعمق المسائل العقدية والفلسفية التي شغلت الفكر الإسلامي عبر التاريخ. وقد برزت في هذا السياق مصطلحات دقيقة مثل "الكلام النفسي"، وهو مصطلح تعجيزي وتحليلي سعت المدارس الكلامية المختلفة من خلاله إلى تقريب حقيقة صفة الكلام الإلهي وتنزيه الخالق عن مشابهة المخلوقين. فما هو المقصود بالكلام النفسي؟ وكيف تباينت آراء العلماء والمذاهب الإسلامية حوله؟

مفهوم الكلام النفسي عند المدارس الكلامية

ينطلق المفهوم الأساسي للكلام النفسي -كما تبنته مدارس كالأشاعرة والماتريدية- من التفرقة بين ما يحدث في النفس من معانٍ وخواطر وإرادات، وبين الألفاظ والعبارات الخارجية التي تُترجم تلك المعاني.

  • المعنى القائم بالذات: يرى أصحاب هذا الاتجاه أن كلام الله تعالى صفة أزلية قائمة بذاته سبحانه، وهي صفة كمال لا تشبه كلام البشر.

  • ليست بحرف ولا صوت: بمعنى أن الله سبحانه وتعالى لا يتكلم بأصوات متسلسلة أو حروف مادية بالطريقة المعهودة للمخلوقين، بل كلامه معنى واحد قائم بذاته، يتضمن الأمر والنهي والخبر، وإنما تختلف العبارات الدالة عليه باختلاف اللغات.

الدوافع العقدية وراء طرح المسألة

دفع التنزيه المطلق للذات الإلهية بعض المتكلمين إلى نفي الحروف والأصوات المادية عن الله عز وجل، خشية الوقوع في محظور مشابهة الحوادث (المخلوقات). وعليه، قالوا إن ما نقرؤه ونسمعه من آيات القرآن الكريم في المصاحف هو "عبارة" أو "حكاية" عن ذلك الكلام النفسي الأزلي، وليس هو الكلام الذاتي القائم بالله تعالى بحروفه المكتوبة على وجه الحصر المطلق لدى بعضهم، بل اعتبروا أن الألفاظ العربية مخلوقة بينما المعنى النفسي قديم غير مخلوق.

هل ترغب في أن نستكمل في الجزء القادم تفاصيل موقف أهل السنة والجماعة والسلف الصالح الرافض لهذا التقسيم؟

ثمرات الخلاف وموقف علماء الأمة

دلالات الفارق بين الكلام النفسي واللفظي

يترتب على القول بأن القرآن "كلام نفسي" قناعات عقدية محددة؛ فالأشاعرة والماتريدية يقررون أن ما بين دفتي المصحف من حروف وأصوات هو عبارة عن الكلام الأزلي القائم بذات الله تعالى، وليس عين الكلام القديم. بمعنى أن الحروف والترتيب والتأليف مخلوقة أو معبر بها عن المعنى الأزلي، في حين أن المعنى القائم بالنفس غير مخلوق. وفي المقابل، ذهب أهل السنة والجماعة (السلف) إلى أن القرآن كلام الله بحروفه وأمعائه ومعانيه، غير مخلوق، وأنه سبحانه يتكلم بحرف وصوت يليقان به متى شاء وكيف شاء، بلا تشبيه ولا تكييف.

نظرة نقدية بين المدارس الكلامية

انتقد أئمة السلف، كابن تيمية وابن القيم، نظرية الكلام النفسي بشدة، معتبرين أنها توافق المعتزلة في بعض وجوهها لأنها تنفي قيام الأفعال الاختيارية والأصوات الحرفية بالله تعالى. وحجة السلف أن اللغة والعرف والعقل تتفق على أن "الكلام" ما تركب من حروف وأصوات، وأن الأكمه والأخرس وإن كانت تجول في نفسيهما معانٍ، فلا يسمى أحدهما متكلماً حقيقة إلا إذا نطق بلسانه. وعلى الجانب الآخر، رأى المتكلمون أن إثبات الحروف والأصوات القديمة يستلزم الحوادث أو التجسيم، فلجأوا إلى تأويل الكلام بأنه معنى واحد قائم بالنفس المجردة.

الخلاصة الوسطية

يبقى هذا المبحث من الدقائق الكلامية التي شغلت الفكر الإسلامي قروناً طويلة، وتهدف في جوهرها إلى تنزيه الباري عز وجل عن صفات المخلوقين. وسواء نظر الباحث إلى القرآن باعتباره المعنى الأزلي النفسي المعبر عنه، أو الكلام الإلهي المنزل بحروفه وأصواته غير المخلوقة، فإن الاتفاق منعقد بين عموم المسلمين على عظّم القرآن، وقدسيته، ووجوب العمل بأحكامه، وأنه الحبل الممتد بين الخالق والمخلوق لهداية البشرية جمعاء.

ما هو الجانب الذي ترغب في التوسع فيه أكثر ضمن مباحث العقيدة الإسلامية؟