مقدمة في مفهوم الألوهية عند الشيعة الإمامية
يُعدّ مبحث العقيدة في الذات الإلهية الأساس الأهم الذي تُبنى عليه سائر الأصول الاعتقادية في الإسلام.
تقوم العقيدة الشيعية في الإله الواحد على أصل جامع مانع، وهو التوحيد المطلق والتنزيه التام عن كل شائبة نقص أو حدوث أو تشبيه بالمخلوقات.
أولاً: التوحيد الذاتي وصفات الجلال والجمال
يؤمن الشيعة الإمامية بأن الله سبحانه وتعالى هو واجب الوجود لذاته، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
توحيد الذات:
ويعني أن ذات الله سبحانه وتعالى واحدة لا تركيب فيها، فهو ليس مركباً من أجزاء مادية أو عقلية، ولا يقبل الانقسام أو التعدد لا في الخارج ولا في الذهب. توحيد الصفات:
وهي مسألة دقيقة في الفكر الكلامي الشيعي؛ حيث يُعتقد بأن صفات الله الذاتية (كالقدرة، والعلم، والحياة) هي عين ذاته وليست زوائد عنها. فالله يعلم بعلم هو ذاته، وقيوم بذاته، وليس هناك صفات أزلية قديمة قائمة بذاتها خارج الذات المقدسة تؤدي إلى تعدد القدماء.
"يا من دلّ على ذاته بذاته، وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته" — هكذا يصور الإمام علي بن أبي طالب في دعاء الصباح ركيزة التنزيه المطلق التي ترفض أي قياس للخالق على المخلوق.
ثانياً: نفي التجسيم والتشبيه (التنزيه المطلق)
تؤكد المصادر العقدية الرسمية للشيعة الإمامية براءة تامة من مفاهيم التجسيم أو التشبيه (أي تخيل أن الله جسم له أعضاء أو حيز أو مكان).
وعليه، فإنهم يقررون القواعد التالية في باب الأسماء والصفات:
استحالة الرؤية البصرية:
يرى الشيعة أن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة رؤية حسية مادية، لأن الإدراك البصري يختص بالمحسوسات والأجسام المحدودة في جهة أو مكان، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. تأويل النصوص الموهمة للتشبيه:
النصوص التي ظاهرها يوحي باليد أو الوجه أو النزول (في الأدبيات الحديثية المشتركة)، تُحمل عندهم على المجاز المراد به الكناية عن القدرة، أو الهيمنة، أو اللطف الإلهي، وليست جوارح أو حركة في مكان.
ثالثاً: بساطة الوجود والصفات السلبية
من أبرز مباحث الفلسفة الإلهية لدى متكلمي وفلاسفة الشيعة (مثل ملا صدرا وغيره، وصولاً للمناهج التعليمية المعاصرة في الحوزات) الاعتقاد بأن الله بسيط الوجود.
كما يركزون على ما يُسمى بـ "الصفات السلبية"، وهي الصفات التي تُسلَب عن الله عز وجل لنفي كل نقص عنه، مثل:
نفي التركيب والحد.
نفي الشريك والند.
نفي الجسمية واللون والطعم والرائحة.
نفي الموت، السِنة، النوم، العجز، والجهل.
وهكذا يخلص الفكر الشيعي إلى تقديم صورة إلهية ترتكز على إطلاق التنزيه وتقديس الذات الإلهية عن كل ما يخطر بالبال أو ينعكس في مرآة الوهم البشري المحدود.
هل ترغب في أن ننتقل في الجزء التالي للحديث عن صفات أفعال الله (كالعَدل والاختيار) وموقفهم من مسليتي القدر والجبر؟
موقف الشيعة الإمامية من رؤية الله تعالى
تُعدّ مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار في الدنيا أو الآخرة واحدة من أبرز المسائل العقدية التي تحدث فيها نقاشات واسعة بين المذاهب الإسلامية المختلفة.
نفي الرؤية البصرية:
يتفق علماء الشيعة الإثنا عشرية على أن الله عز وجل لا يُرى بالأبصار الحسية لا في الدنيا ولا في الآخرة، استناداً إلى الآية القرآنية الكريمة: ، ولأن الرؤية البصرية تستلزم الجهة والمكان والجسمية، وهي صفات تنزه عنها الذات الإلهية المقدسة لديهم. التأويل والتفسير:
يذهب متكلمو الشيعة إلى أن المراد بالرؤية إن كانت متذكّرة في النصوص، فهي تفسر بالرؤية القلبية أو اليقين الروحي الناتج عن إيمان العارف، لا الرؤية بالعين المجردة التي تدل على التحديد والمحايثة.
العدل الإلهي والاختيار (البداء والقدر)
في باب الأفعال الإلهية والعدل، تبرز عقيدتان رئيسيتان عند الشيعة الإمامية:
مفترق العدل:
يرى الشيعة أن الله عادل بالضرورة، لا يظلم الناس مثقال ذرة، وأن العباد مستقلون بأفعالهم اختياراً وقدرةً تحت سلطان الله ومشيئته، مع رفض الجبر والتفويض المطلق على حد سواء، تأسيساً على ما أثثته روايات أهل البيت. مسألة البداء:
وهي من العقائد الخاصة في الفكر الإمامي، وتعنى لغة واصطلاحاً بظهور الأمر لله بعد خفائه أو تبدل التدبير بحسب المصالح المتغيرة أو الأدعية والصدقات، مع تنزيه الباتي من القضاء والقدر المحتوم الذي لا يتغير.
يخلص الفكر الشيعي في مجمله إلى تكريس التنزيه المطلق لذات الباري تبارك وتعالى عن كل عوارض النقص أو التشبيه بالمخلوقات، مع إثبات صفات الكمال والتوحيد الخالص المستمد من مدرسة الأئمة المعصومين.
ما هي الجوانب الأخرى من الفكر العقدي الإسلامي التي تود التعرف على تفاصيلها ومقارنة المذاهب فيها؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.