مقدمة إشكالية حول صفات الباري جل وعلا
يُعد مباحث الأسماء والصفات في العقيدة الإسلامية من أعظم المباحث وأدقها، لما تتعلق به من معرفة الخالق سبحانه وتعالى حق معرفته، وتنزيهه عما لا يليق به من عيوب النقص والإمكان. ومن بين هذه الصفات الإلهية التي أثارت نقاشات واسعة وعميقة عبر تاريخ الفكر الإسلامي، تأتي صفة الكلام؛ فهي تمثل حلقة وصل تعبيرية بين الذات الإلهية المطلقة وبين خلقه، وتتجلى أهميتها الكبرى في كونها المرادفة للتشريع، والكتب السماوية، والوحي المنزل على الأنبياء والمرسلين.
فالسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل الله متكلم؟
في هذا الجزء الأول من المقال، سنستعرض الأدلة النصية الكبرى على ثبوت صفة الكلام لله تعالى، ونفصل جذور الإشكالية العقدية التي صاغت تفريعات هذا المبحث المهم.
أولاً: الإقرار الإجمالي والأدلة النصية من الوحيين
اتفق المسلمون بمختلف مدارسهم العقدية على اتصاف الله عز وجل بصفة الكلام، وأنه سبحانه يتكلم متى شاء وكيف شاء، إذ إن السكوت أو عدم القدرة على الكلام صفة نقص، والباري منزه عن كل نقص.
القرآن الكريم: تزخر الآيات ببيان أن الله تعالى قد كلم رسله، من ذلك قوله عز وجل:
، وقوله تعالى: . فهذه النصوص صريحة في إثبات حقيقة التكليم الإلهي الموجه لنبي الله موسى عليه السلام. السنة النبوية الشريفة: وردت أحاديث صحيحة تؤكد مسألة التكليم الإلهي وسمع أهل السماوات له، منها ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء».
ملاحظة منهجية: إن النصوص الشرعية جاءت بإثبات الفعل والصفة، غير أن إدراك الكيفية البحتة يظل محكوماً بقوله تعالى: ، مما يفرض الوقوف عند ما جاءت به النصوص بلا تشبيه ولا تمثيل.
ثانياً: منشأ الاختلاف المنهجي في تفسير صفة الكلام
على الرغم من الإجماع المبدئي على إثبات أصل الصفة لله تعالى، إلا أن المفكرين وعلماء العقيدة اختلفوا بحدة حول تفسير الحقيقة الكامنة خلف هذا الكلام، وتفرع هذا الاختلاف بناءً على الأصول الكلالية والفلسفية التي تبناها كل مذهب:
مذهب السلف وأهل السنة والجماعة: يقررون أن الله يتكلم بكلام حقيقي مسموع، بحرف وصوت لا يماثل أصوات المخلوقين، وهو صفة ذات باعتبار الأصل وصفة فعل باعتبار الآحاد (أي أنه يتكلم متى شاء وبما شاء).
مذهب المتكلمين (كالاشاعرة والماتريدية): ذهبوا إلى أن كلام الله تعالى هو "الكلام النفسي" القائم بذات الله عز وجل، وأن الحروف والأصوات المخلوقة هي دلالة ومخلوقة دالة على ذلك المعنى القديم وليست هي نفس كلامه القديم الأزلي القائم بذاته.
سؤال للمتابعة:
كيف انعكست هذه الخلافات العقدية بين المدارس الإسلامية على فهم طبيعة القرآن الكريم وكونه مخلوقاً أم غير مخلوق؟
ثانيًا: التوجيه الفلسفي والكلامي لصفة الكلام
تُعد صفة الكلام من أكثر المسائل التي أثارت نقاشًا كلاميًا بين الفرق الإسلامية، حيث انقسمت الآراء بناءً على كيفية التوفيق بين تنزيه الذات الإلهية وثبوت النظائر اللغوية للخطاب الإلهي:
موقف أهل الحديث والسلف:
ويرون أن الله يتكلم بحرف وصوت كيف شاء وإذا شاء، وأن كلامه الصفاتي صفة ذات وفعل معًا؛ فهو قديم النوع حادث الآحاد. ويؤكدون أن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين من حيث الآلات أو المخارج، تجنبًا للتشبيه أو التعطيل. موقف الأشاعرة والماتريدية:
فرقوا بين الكلام النفسي والكلام اللفظي. فالكلام النفسي عندهم صفة أزلية قائمة بذات الله خالية من الحروف والأصوات والتتابع الزمني. أما الكتب السماوية المكتوبة والمقروءة فهي عبارة أو دلالة حادثة تدل على ذلك المعنى القائم بالنفس. موقف المعتزلة:
أنكروا قيام صفة الكلام بذات الله هربًا من إثبات التعدد في الأزل، وقالوا إن معنى "الله متكلم" أي أنه خالق للكلام في غيره (كاللوح المحفوظ أو الشجرة التي كلم منها موسى عليه السلام).
ثالثًا: الأبعاد الإيمانية والأثر التعبدي لثبوت الصفة
إن إثبات أن الله متكلم يثمر أبعادًا إيمانية وسلوكية عميقة في حياة الفرد:
ترسيخ الهداية والتشريع:
ثبوت الكلام الإلهي يعني أن العقل البشري ليس متروكًا وسدًى في التلمس الفلسفي للمطلق، بل هناك وحي مباشر يمثل مرجعية أخلاقية وتشريعية وحاكمة. إثبات الصلة بين الخالق والمخلوق:
يتجلى التكريم الإلهي للإنسان في كونه المخاطَب بهذا الكلام، مما يمنحه قيمة وجودية ومسؤولية تكليفية. تعظيم النص المقدس:
يستشعر المؤمن عند تلاوة الكتب السماوية (كالقرآن الكريم) أنه يتعامل مع كلام رب العالمين، مما أورث علماء الإسلام منهجية صارمة في تدبر النصوص واستنباط الأحكام.
خاتمة Article
تظل صفة "المتكلم" عقيدة أساسية تُظهر قدرة الخالق ورحمته بعباده؛
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.