مقدمة تحليلية

تطرح تساؤلات عديدة في الفضاء الفكري والديني حول طبيعة العلاقة العقدية التي تربط المذاهب الإسلامية المختلفة بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ومن أكثر التساؤلات إثارة للجدل، ما يتداول أحياناً على لسان بعض العامة أو في أدبيات التنافر المذهبي حول موقف الشيعة الإمامية من النبوة والرسول. يهدف هذا المقال الأكاديمي إلى تفكيك هذه الإشكالية، وتوضيح الأسس العقدية التي تستند إليها المدرسة الشيعية الإمصرية في إيمانها بالرسول الأعظم، بعيداً عن الشعارات العاطفية أو الاتجاهات التهويدية والإقصائية.

أولاً: النبوة أصل من أصول الدين

في الفقه العقدي للشيعة الإمامية الاثني عشرية، تُعد النبوة ركناً أساسياً من أصول الدين الثلاثة (التوحيد، النبوة، المعاد)، والتي لا يكتمل إيمان المسلم ولا يصح إسلامه إلا بالاعتقاد الجزم بها.

  • شمولية الرسالة: يؤمن الشيعة قطعياً بأن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنه لا نبي بعده، وأن شريعته هي الخاتمة المهيمنة على الشرائع السابقة.

  • النزاهة والعصمة: يعتقدون أن الأنبياء جميعاً، وفي مقدمتهم النبي محمد، معصومون عصمة مطلقة من الخطأ في تبليغ الوحي، ومن المعاصي الكبائر والصغائر، سواء قبل البعثة أو بعدها، بناءً على الأدلة العقلية والنقلية التي تثبت استحالة صدور التناقض أو الضلال ممن اصطفاهم الله لتبليغ رسالاته.

ثانياً: القرآن الكريم والوحي المحمدي

تعتبر الإشكالية المرتبطة بالقرآن الكريم من أهم المحاور التي يتناولها الباحثون عند دراسة الفرق الإسلامية. وفي هذا السياق، يتفق علماء الشيعة الإمامية قاطبةً على:

  • حفظ الكتاب: الإيمان المطلق بأن القرآن الكريم الموجود بين أيدي المسلمين اليوم هو كلام الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه محفوظ من التحريف أو التغيير والزيادة والنقصان.

  • حجية السنة النبوية: يرى الشيعة أن السنة النبوية المطهرة تشكل المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن، بشرط ثبوتها عن طريق الطرق الصحيحة التي تمر عبر أهل البيت الذين يعتبرونهم عدل القرآن ومفسريه الأمناء.

خاتمة الجزء الأول

يتضح جلياً، من خلال تتبع الأدبيات العقدية المعتبرة لدى الشيعة الإمامية (مثل كتب الكلام والفقه والأصول المعتمدة)، أن الارتكاز على شخص الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان برسالته يشكلان القاعدة الصلبة التي يقوم عليها البناء العقدي برمته. ولا يمكن بحال من الأحوال تصنيف هذا المذهب خارج دائرة الإيمان بالنبوة المحمدية، وإن ظهرت خلافات تاريخية وفقهية تتعلق بمسارات السلطة السياسية بعد وفاته (وهو ما يُعرف بمبحث الإمامة)، والتي سيتم تفصيلها في الجزء الثاني من هذا المقال لاستكمال الصورة بموضوعية تامة.

الخاتمة: وحدة الأصل والاعتقاد الراسخ بالرسالة المحمدية

الحقيقة الشرعية والعقائدية

مما سبق تبين بوضوح تام أن ما يتم تداوله أحياناً من ادعاءات حول عدم إيمان الشيعة بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أمر عارٍ عن الصحة تماماً ومخالف للواقع العلمي والتاريخي. فالشيعة الإمامية وسائر المذاهب الإسلامية يتفقون جذرياً على ركني الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. النبي محمد هو الخاتم للأنبياء والمرسلين، ورسالته هي الأساس الذي تستند إليه التشريعات والأحكام في الفقه الجعفري تماماً كباقي المذاهب الإسلامية.

مصادر التشريع والسنة النبوية

يعتمد الفكر الشيعي في إثبات الأحكام الشرعية على القرآن الكريم أولاً، ثم على السنة النبوية الشريفة التي تُتلقى وتُروى عبر طريق أهل البيت عليهم السلام باعتبارهم أصفى الناس قرباً من النبي وأعرفهم بتفاصيل تنزيله وتأويله. بناءً على ذلك، فإن الاعتقاد بسنة النبي والعمل بها هو جزء لا يتجزأ من منظومتهم الدينية، مما ينفي تماماً أي تصور بإنكارهم لرسالته أو لما جاء به من عند الله تعالى.

نحو فهم دقيق وعلمي

  • الجامع المشترك: يجمع بين المسلمين كافة أصل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.

  • طبيعة الخلاف: الخلافات التاريخية والفقهية بين المذاهب تكمن في مسألة الإمامة والخلافة بعد وفاته صلى الله عليه وآله، وليس في أصل النبوة أو الرسالة.

  • التقريب والوعي: تجاوز الشائعات يتطلب قراءة مصادر المذاهب بعيون منصفة وموضوعية لترسيخ أواصر الأخوة الإسلامية.

"إن الوعي الحقيقي بحقيقة العقائد الإسلامية يكشف عن مساحة مشتركة واسعة جداً تجمع المسلمين تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله."

هل ترغب في أن نتطرق إلى تفاصيل إضافية حول أوجه الاتفاق والاختلاف الفقهي بين المذاهب الإسلامية الكبرى؟