مقدمة في ماهية الوجود المطلق
يُعد سؤال "لماذا الله ليس له بداية؟"
إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي منا تفكيك بنيان المفاهيم الكونية، والتفريق بحرص بين طبيعة "المخلوقات" المحتاجة، وطبيعة "الخالق" المستغني عن كل ماسواه.
أولاً: استحالة التسلسل والدور في العلل
لكي ندرك لماذا لا بد أن يكون الله بلا بداية، يجب أن ننظر أولاً إلى قانون "السببية" الذي يحكم عالم الشهادة.
كل حادثة أو كائن في الكون له سبب أوجدَه، وهذا السبب بدوره له سبب آخر.
لو افترضنا أن هذه السلسلة من الأسباب والعلل تمتد إلى الوراء بلا نهاية بمعنى أنها "حوادث لا أول لها" (تراجع تسلسلي بلا بداية لكل حلقة)، فهذا يؤدي عقلاً إلى استحالة وقوع الوجود الحاضر؛
لأن ما لا بداية له لا ينقضي، ولو لم ينقضِ ما بدأ ما وجدنا نحن اليوم. إذن، بالضرورة المنطقية الصارمة، لابد لكل سلسلة من العلل أن تتوقف عند "عللٍ أولى" غير معلولة، أو "مسبب الأسباب" الذي لم يُسبقه شيء، وهو الواجب الوجود لذاته الذي يُخرج الأشياء من العدم إلى الوجود دون أن يفتقر هو نفسه إلى من يوجده.
ثانياً: الفرق الجذري بين "واجب الوجود" و"ممكن الوجود"
قسّم الفلاسفة وعلماء العقيدة الموجودات إلى قسمين رئيسيين لا ثالث لهما:
ممكن الوجود (المخلوقات):
وهو كل ما استوى طرفا وجوده وعدمه، أي يجوز عقلاً أن يكون موجوداً أو معدوماً. هذا القسم يحتاج حتماً إلى "مُرجِّح" أو "مُوجد" يخرجه من حيز العدم إلى حيز الوجود. وبما أنه كائن حادث (له بداية)، فإنه دليل بذاته على افتقاره واحتياجه. واجب الوجود (الله سبحانه وتعالى):
وهو الكني الذي يمتنع عقلاً انعدامه، ووجوده من ذاته ولا يقبل العدم بحال. ذاته العلية هي "عين الوجود المطلق"، فلا يصح أن تسبقها علة أو يلحقها ابتداء؛ لأن افتقاره إلى غيره ينافي تماماً حقيقة كونه إلهاً خالقاً مستغنياً عن العالمين.
"فمن كانت ذاته عين وجوده، يستحيل عليه الزوال أو الابتداء، لأن ذلك يقتضي افتقاراً ينافي الوجوب الذاتي."
ثالثاً: الدلالة القرآنية والأسماء الحسنى
إلى جانب البراهين العقلية البحتة، جاء الوحي الإلهي ليؤكد هذه الحقيقة البدهية بصورة مطلقة لا تقبل الشك.
وقد بيّن المحققون من أهل العلم أن اسم الله "الأول" لا يعني فقط التقدم الزمني النسبي، بل يعني "الأول المطلق" الذي ليس لأوليته ابتداء قط.
[إلى اللقاء في الجزء الثاني حيث نستكمل استعراض الأدلة الفلسفية والرد على الشبهات المتعلقة بالزمان والمكان].
توضح هذه المادة المصورة بعمق كيف أن الله كائن بذاته ولا يحتاج إلى خالق لتفسير أزليته.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.