مقدمة: جذور المسألة العقدية في التراث الإسلامي
تُعد قضية "دين الله" وصفاته ومنزلته من حيث الخلق أو القدم من أعظم المسائل التي شغلت عقول العلماء والمفكرين في تاريخ الفكر الإسلامي.
المعنى اللغوي والاصطلاحي لدين الله
في اللغة، يُطلق الدين على معانٍ عدة؛
وهنا تبرز الإشكاليات العقدية الأولى لدى الباحثين في هذا المجال:
هل التشريعات والأحكام والأوامر الإلهية تدخل في دائرة المخلوقات باعتبارها أعياناً ونظماً نزلت في أزمنة محددة؟
أم أن "الأمر الإلهي" و"كلام الله" يُمثلان صفة من صفات الذات التي لا توصف بأنها مخلوقة، تمييزاً لها عن الكائنات الحية والجمادات التي أبدعها الله من عدم؟
وقد أشار المحققون من أهل السنة والجملة إلى تفريق دقيق بين الخلق والأمر، مستشهدين بقوله تعالى في سورة الأعراف: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
اتجاهات العلماء في مسألة الدين والكلام والشرع
انقسم العلماء والفرق الإسلامية حيال المسائل المتعلقة بصفات الله وأفعاله وأحكامه إلى عدة مدارس رئيسية، سعت كل منها لتقرير أصل من أصول التوحيد بحسب قواعدها التفسيرية والمنطقية:
مدرسة السلف وأهل الحديث:
ترى هذه المدرسة أن كلام الله تعالى، وما أنزله من شرائع ودين، هو صفة قائمة به أو منزل منه غير مخلوق. ويرون أن الخوض في تفصيل القول بخلق الدين أو القرآن على وجه الإطلاق يفضي إلى تعطيل صفات الباري سبحانه وتعالى. وفي الوقت نفسه، يفرقون بين "كلام الله القديم في أصله" وبين "أصوات العباد وأفعالهم حال تلاوتهم أو تطبيقهم"، معتبرين أن أفعال العباد مكتسبة ومخلوقة، بينما أصل التشريع والمنهج الإلهي صفة وحكم رباني منزه عن الحدوث بالمعنى المخلوق. المعتزلة ومن سار في فلكهم:
تبنت هذه المدرسة القول بخلق القرآن وكل ما ينسب للبارئ من صفات تعبيرية أو كلامية، خشية الوقوع في محذور تعدد القدماء. فكان عندهم أن "الدين" و"الشرع" و"القرآن" مخلوقات أحدثها الله في الزمن المناسب لهداية خلقه، وليست صفات قائمة بذاته أزلية. المتكلمون من الأشحرة والماتريدية:
وضعوا تفريعات دقيقة، مفادها أن الكلام النفسي المعنوي القائم بذات الله قديم غير مخلوق، وأما الحروف والأصوات المكتوبة في المصاحف أو المقروءة على الألسنة فهي مخلوقة دالة على ذلك الكلام القديم.
أبعاد النقاش الفلسفي والعقدي
إن بحث مسألة "خلق الدين" يتقاطع بعمق مع مفهوم الإرادة الإلهية والحكمة.
هذا التباين بين الرؤية العقدية النصية والرؤية التحليلية التاريخية يجعل الخوض في هذا الموضوع متطلباً لفهم مستويات الخطاب الديني والفلسفي معاً.
"إن الإحاطة بمراتب التلقي والتشريع في التراث الإسلامي تقتضي تفكيك العبارات المجملة، لئلا ينسب إلى الشرع ما لا يليق بجلاله، أو يُحمل النص على غير محمله الصحيح."
ما هي الجوانب المحددة من هذه المسألة التي تود أن نتعمق في تحليلها في الجزء التالي من المقال؟
خاتمة البحث: التمييز بين الخالق والمخلوق في مسائل الاعتقاد
الخلاصة المنهجية
عند الغوص في تفاصيل المسائل العقدية الكبرى، يبرز جلياً وجوب التفريق الدقيق بين صفات الباري عز وجل وبين أفعال العباد والمصنوعات. إن إطلاق القول بمثل هذه الأسئلة المجملة دون تحرير للألفاظ قد يؤدي إلى مزالق فكرية واصطلاحات محدثة لم ترد في الكتاب والسنة.
أقوال أهل العلم والسلف
حقيقة كلام الله: اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله تعالى صفة من صفاته، وهو غير مخلوق.
أفعال العباد:
إن ما يصدر عن المكلفين من أفعال، كالصلاة والقيام والنطق، فهو بتقدير الله وخلقه، فأفعال العباد مخلوقة. الفرق بين الشرع والمقدور:
الشرع المنزل والأمر الإلهي الديني ليس مخلوقاً باعتباره صفة وأمراً، بينما الأعيان والمخلوقات المأمورة والمنهية تقع تحت طائلة الخلق والإيجاد.
"وكل ما سوى الله فهو مخلوق، وكلامه وصفاته ليست خارجة عن مسماه."
— شيخ الإسلام ابن تيمية
النتائج النهائية
وفي الختام، فإن الاعتقاد الصحيح يقوم على تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلمه وقدرته عن مشابهة الحوادث، مع الإقرار بأن كل ما دونه تعالى فهو كائن بمشيئته وخلقه.
هذا الفيديو يوضح تفاصيل عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بكلام الله عز وجل والرد على الشبهات المرتبطة به.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.