مقدمة تحليلية حول صفة الكلام الإلهي

تعتبر صفة الكلام من أعظم صفات الذات والأفعال الإلهية التي شغلت أقاليم الفكر العقدي والتلسفي عبر التاريخ الإسلامي. وعندما يطرح السؤال: "هل الله يتكلم متى شاء؟"، فإننا نلج إلى باب دقيق من أبواب الأسماء والصفات، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الإرادة المطلقة والقدرة التامة لله سبحانه وتعالى. فالإجابة عن هذا التساؤل تضعنا أمام أصول راسخة عند أئمة أهل السنة والجماعة، وتفتح المجال لفهم كيفية تعلق مشيئة الله بأفعاله وصفاته، بعيداً عن التمثيل أو التعطيل.

الأصل العقدي في صفة الكلام

يؤمن المسلمون المستمسكون بنهج السلف الصالح أن الله عز وجل موصوف بصفة الكلام أزلًا وأبدًا، بمعنى أن أصل الكلام صفة ذات لازمة له، سبحانه لا ينفك عنها، فهو متكلم لذاته. وفي الوقت ذاته، فإن كلامه الآحاد أو المتجدد بحسب الأحداث والمشيئة هو متعلق بإرادته واختياره.

وهذا يعني بوضوح أن الله يتكلم متى شاء، وكيف شاء، وبما شاء. فكلامه ليس عملية جامدة، ولا هو مجرد معنى قائم في النفس بلا حروف ولا أصوات كما ذهب إلى ذلك بعض الفرق المخالفة، بل هو سبحانه يتكلم بإرادة وحكمة، إذا أراد أن يكلم أحداً من خلقه فعل، وإذا أراد أن ينزل أمراً أو كتاباً تكلم به.

دلالات الإرادة والمشيئة في النص القرآني

تتكدس الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة لتؤكد هذه القاعدة العقدية الكبرى. فحين نتأمل قول الله تعالى في سورة يس:

{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}

فإننا نرى ارتباط الفعل الإلهي (الكون والخلق) بكلمة (كن)، وهي تعبير مباشر عن الكلام الإلهي التكويني المرتبط بالمشيئة المطلقة. فمتى تعلق الإرادة الإلهية بحدوث شيء، صدر الأمر الإلهي بالكلام الذي يناسب ذلك المراد. ومثل ذلك تكليمه لموسى عليه السلام حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وتكليمه لمن شاء من ملائكته وأنبيائه؛ فهذه كلها وقوعات حقيقية لكلام الله مقيدة بمشيئته وحكمته ووقتها الذي قدره سبحانه.

الرد على الشبهات والتصورات المنحرفة

لقد ضلت بعض الفرق الإسلامية في هذه المسألة انطلاقاً من محاولة قياس الخالق على المخلوق، أو الهروب من محذور التشبيه فوقعوا في التعطيل.

  • فمنهم من نفى الكلام أصلاً عن الله تعالى، زاعماً أن الكلام صفة حدوث نقص للمتكلم (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً).

  • ومنهم من أثبت كلاماً نفسياً بحتاً وقال إن القرآن أو الكتب المنزلة ليست إلا عبارة أو حكاية عن كلام الله القديم القائم في الذات.

بينما يرى أهل السنة والجماعة وسطاً حقاً، متبعين ظاهر النصوص وصريح الآثار النبوية الثابتة؛ فهم يثبتون أن الله يتكلم بصوت وحرف يليق بجلاله وعظَمته، لا يشبه أصوات المخلوقين ولا تقطيعهم، وأن هذا الكلام مرتبط بمشيئته؛ يتكلم إذا شاء. فليس كلامه مجرد إشارة ذهنية، وليس صوتاً مخلوقاً منفصلاً عنها بمعنى الخلق المنفصل، بل هو متكلم بحرف وصوت يسمعه من أذِن له، كما سمع موسى بن عمران كليم الرحمن وكما يسمع أهل السماوات وحيّه سبحانه.

هل ترغب في أن نستكمل الجزء الثاني من المقال بالتفصيل حول الأدلة النقلية من السنة النبوية وكيفية الرد على المخالفين في هذه المسألة؟

الخاتمة: ثمار الإيمان بهذه العقيدة وأثرها الإيماني

وفي الختام، يتجلى لنا أن الاعتقاد بأن الله عز وجل متكلم بصفة الأزل والنوع، وأن كلامه متعلق بمشيئته وقدرته فيتكلم متى شاء، وكيف شاء، هو مذهب السلف الصالح وجمهور أئمة أهل السنة والحديث. فهذه الصفة الجليلة تدل على كمال الله المطلق، وتنزهه عن نقص العجز أو الصمت اللازم، وتؤكد ارتباط أفعال الرب بحكمته الإلهية البالغة.

قاعدة منهجية: إثبات صفات الكمال لله تعالى يكون بلا تشبيه ولا تكييف، فنؤمن بأن الله يتكلم حقيقةً، وبصوت يسمعه من يشاء من خلقه، دون أن يماثل كلامه كلام المخلوقين.

  • الرد على الشبهات: إن القول بأن الكلام صفة ذاتية فعلية معاً يحل الإشكال العقدي بين نفي صفة الكلام أصلاً وبين تقييدها بحدوث الحوادث المطلقة.

  • الأثر الروحي: هذا الفهم يورث العبد تعظيماً بالغاً للقرآن الكريم ولله كلاماً ومنزلاً، ويعزز اليقين بأن الله سبحانه سميع بصير، يسمع النداء والمناجاة في كل وقت.

إن الغوص في باب الأسماء والصفات يحتاج إلى تسليم تام للنصوص الصحيحة من الكتاب والسنة، والوقوف حيث وقف السلف، إدراكاً بأن العقل البشري قاصر عن إدراك كيفيات الغيب، وحسبنا الإيمان بما أخبرنا به الباري عن نفسه جل جلاله.

هل ترغب في الاستزادة حول تفصيل أدلة أهل السنة من الآيات والأحاديث المتعلقة بهذه المسألة؟