مقدمة: الإطار المنهجي لمفهوم الذات الإلهية

يُعدّ البحث في ذات الله عز وجل وصفاته من أعظم الموضوعات وأدقها في العقيدة الإسلامية، نظراً لتعلّقه بالجانب الإلهي الذي يجلّ عن إدراك الحواس أو الإحاطة العقلية البحتة. وعند طرح السؤال المحوري: "هل وصف الله شكله؟"، يبرز مباشرةً الضابط الشرعي واللغوي الذي يحكم هذا التساؤل، وهو أن الألفاظ المتعلقة بالله سبحانه وتعالى توقيفية بحتة؛ بمعنى أنها مأخوذة حصراً مما ورد في القرآن الكريم السنة النبوية الصحيحة، ولا يجوز إطلاق مصطلحات بشريّة أو اجتهادية لم ترد في النصوص الشرعية.

أولاً: النفي اللغوي لمصطلح "الشكل" عن الله تعالى

من الناحية اللغوية والعقدية، لا يُقال إن لله شكلاً؛ لعدم ورود هذا اللفظ بتاتاً في النصوص المقدسة. علاوة على ذلك، فإن كلمة "الشكل" تحمل في بعض دلالاتها معنى المِثل، الشبيه، أو الهيئة المحدودة بأبعاد ومقادير، وكل هذه المعاني منزه عنها الخالق جل جلاله.

الله سبحانه وتعالى ليس مركباً من أجزاء، ولا يخضع للمقاييس المكانية أو الهيئات المادية التي تُعرف بها المخلوقات. قال الله تعالى محسماً هذا الأمر بشكل قاطع لا لبس فيه:

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

هذه الآية الكريمة تمثل القاعدة الذهبية والأساس المتين في باب الأسماء والصفات؛ فهي تجمع بين التنزيه المطلق (ليس كمثله شيء) والإثبات اللائق بجلاله (وهو السميع البصير) دون تكييف أو تمثيل.

ثانياً: موقف علماء السلف وأهل السنة من إثبات الصفات بلا تكييف

يؤكد علماء العقيدة الإسلامية أن الخوض في "كيفية" ذات الله أو محاولة تخيل شكل أو صورة معينة محظور عقلاً وشرعاً، لأن العقل البشري قاصر بطبيعته عن إدراك حقائق الغيب المطلق.

  • قاعدة التوقيف: لا يصف العبد ربه إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

  • وجوب الإيمان والتسليم: إثبات ما ورد من صفات ثابتة (مثل الاستواء أو النزول اللائق بجلاله) على ما حقيقتها، مع نفي التشبيه والتعطيل.

  • استحالة التخيل: كما نقل عن الإمام ابن قدامة وغيره: "لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير".

هل ترغب في أن أستكمل لك الجزء الثاني من المقال المتعلق بتفصيل النصوص الواردة في السنة وكيفية التعامل معها عقديّاً؟