مقدمة تحليلية حول طبيعة السؤال

يُعدّ سؤال "من خلق الله؟" واحداً من أبرز الأسئلة التشكيكية التي تُطرح في سياق النقاشات العقدية وفلسفة الدين، وغالباً ما يُستخدم كمحاولة لإحداث ارباك فكري أو استدراج ذهني. ورغم أن هذا السؤال قد يبدو للوهلة الأولى استفساراً منطقياً بناءً على مبدأ العلية الملاحظ في عالمنا التجريبي، إلا أنه يحمل في طياته مغالطة بنيوية جسيمة وتناقضاً داخلياً صارخاً.

من الناحية النفسية والشرعية، أخبرنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من الوساوس التي تلبيس على الإنسان، موضحاً مصدرها النفسي والشيطاني، وواضعاً العلاج الحاسم لها. أما من الناحية العقلية والمنطقية، فإن تفكيك هذا السؤال يتطلب الغوص في طبيعة الموجودات، وفهم الفرق الجذري بين الواجب والممكن، وبين الخالق والمخلوق.

أولاً: الجذور النبوية للتعامل مع الوسواس الفكري

لم يغفل التوجيه النبوي الشريف عن معالجة هذه الخواطر التي قد تطرأ على أذهان البعض، فقد جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته".

وفي رواية أخرى لمسلم:

"فليقل: آمنت بالله ورسوله".

يشير هذا التوجيه المحكم إلى أمرين أساسيين:

  • طبيعة المصدر: إن هذا السؤال في كثير من أحواله النفسية الفردية هو وليد وسوسة خارجية تهدف إلى زعزعة اليقين الهادئ في قلب المؤمن، وليس بالضرورة ناتجاً عن إشكال عقلاني رصين.

  • الوصفة العلاجية: الجمع بين التحصين الروحي (الاستعاذة بالله والانتهاء عن الاسترسال المضر في غير طائل) والإقرار القلبي واللساني باليقين (آمنت بالله ورسوله).

ثانياً: التفكيك المنطقي لمغالطة السؤال

عند النظر إلى السؤال مجرداً من منظور فلسفي وعقلي بحت، يتبين لنا أن عبارة "من خلق الله؟" تتضمن تناقضاً لغوياً ومنطقياً يُعرف في علم المناظرة بـ "السؤال المستحيل أو الباطل ذاتياً". ولتوضيح ذلك، يجب إدراك الآتي:

  1. تعريف الخالق والمخلوق: عندما نقول "الله" فإننا نعني به لغة واصطلاحاً: الخالق الأزلّي، الواجب الوجود، الذي لولا وجوده لما قام لشيءٍ وجود. أما "المخلوق" فهو الكائن الحادث الذي كان معدوماً ثم أُوجد.

  2. استحالة التسلسل والدور: لو فرضنا جدلاً أن الخالق سبحانه مخلوق، لصار "مُمكناً" محتاجاً لمن يوجده، وحينها سينتقل السؤال إلى: من خلق خالق الخالق؟ ومن خلق خالقِ خالقِ الخالق؟ وهو ما يُعرف في المنطق بـ "التسلسل الباطل" أو "الدور الممتنع"، وهو أمر يحيله العقل بداهة، إذ لو ظل الأمر معلقاً هكذا إلى ما لا نهاية لما وجد في الوجود شيء البتة، ولظل العدم هو السائد.

إذن، لكي يصسح وجود للمخلوقات المشاهدة والملموسة حولنا، لابد عقلاً أن ينتهي هذا التسلسل عند نقطة بداية ثابتة، أزلية، واجبة الوجود، وغير مخلوقة؛ وهي الذات الإلهية العلية التي لا تحتاج في بقائها ووصفها إلى مُوجد خارج ذاتها.

هل تود أن ننتقل في الجزء الثاني إلى تفصيل البراهين العقلية والفلسفية الإضافية (كمبدأ السببية وحدوث العالم) للرد على هذا السؤال بشكل مفصل؟

ثانياً: الاستدلال العقلي والمنطقي على استحالة التسلسل

بطلان الدور والتسلسل

من الناحية العقلية البحتة، يواجه سؤال "من خلق الله؟" افتراضاً باطلاً يُعرف في علم المنطق بـ التسلسل أو الدور. لو افترضنا أن الله -سبحانه وتعالى- مخلوق، لزم أن يكون له خالق، وهذا الخالق الثاني يحتاج إلى خالق ثالث، وهكذا إلى ما لا نهاية. هذا التسلسل باطل عقلاً ويستحيل وقوعه؛ لأنه يؤدي إلى عدم وجود أي شي من الأصل، إذ كيف يوجد معلول بلا علة أصلية تقف عندها السلسلة؟

  • العلة الأولى الواجبة: يستوجب العقل السليم وجود "خالق أول" أزلي واجب الوجود، غني عن غيره، وكل ما سواه محتاج إليه.

  • انتفاء صفة الاحتياج: الخالق الحقيقي يجب أن يكون غير مخلوق، وإلا لصبح حادثاً فقيراً لمخلوقٍ أحدثه، وهذا ينافي تماماً حقيقة الألوهية والكمال المطلق.

الهدي النبوي في التعامل مع الوساوس

أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعامل مع هذه الشبهة التي يلقيها الشيطان في نفوس بعض الناس على أنها مجرد وسواس خارجي لا يمت للواقع اليقيني بصلة. فقد ثبت في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم:

«يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته». وفي رواية: «فليقل: آمنت بالله ورسله».

الخلاصة التربوية والشرعية

إن العقل البشري محدود الإمكانيات بطبيعته، ويسعى دائماً لإدراك الموجودات ضمن إطار الزمان والمكان اللذين خُلق فيهما، بينما الخالق سبحانه هو خالق الزمان والمكان وما فيهما. لذلك، فإن محاولة تطبيق قوانين المخلوقات (كالابتداء والانتهاء والاحتياج) على الذات الإلهية العلية هو خطأ منهجي وفكري كبير.

الوصول إلى الإيمان الواعي يتطلب إدراك أن الله تعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء.

هل ترغب في التعرف على المزيد من الأدلة القرآنية المتعلقة بإثبات وحدانية الله وصفاته العليا؟