مقدّمة تحليلية: تفكيك إشكالية البدايات والعلّية

يُعتبر تساؤل "هل الله خلق نفسه بنفسه؟" واحداً من أكثر الأسئلة الفلسفية والعقدية التي تتردد في أذهان البعض، لا سيما في مراحل التفكير النقدي المبكر أو عند محاولة استيعاب مفهوم اللانهائية والأزلية. يعكس هذا التساؤل رغبة بشرية فطرية في البحث عن العلة والسبب لكل كائن موجود. غير أن مقاربة هذا السؤال تتطلب تفكيكاً دقيقاً لمفاهيم المنطق، والعقيدة، واللغة، والفارق الجذري بين الخالق والمخلوق.

الاستحالة العقلية والمنطقية لفكرة "خلق الذات"

من الناحية العقلية البحتة، تحمل عبارة "خلق الله نفسه" تناقضاً داخلياً صارخاً يجعلها باطلة ومستحيلة الحدوث. لكي يتضح هذا الاستحالة، يجب تأمل المعطيات الآتية:

  • تناقض الوجود والعدم: الفعل (خلق) يقتضي بالضرورة وجود فاعل مريد وموجود أصلاً ليقوم بعملية الإيجاد. فإذا فرضنا أن الذات الإلهية كانت معدومة ثم خلقت نفسها، فهذا يعني أنها كانت "موجودة" قبل خلق نفسها لتتمكن من إيجادها، وهذا تناقض صريح (الشيء لا يكون موجوداً ومعدوماً في آن واحد).

  • الدور المحال: لو خلق الشيء نفسه، لكان "خالقاً" و"مخلوقاً" في الوقت ذاته بالنسبة لنفسه، ولكان متقدماً على نفسه وجودياً ومتأخراً عنها، وهو ما يستحيل في بداهة العقل البشري.

  • الاحتياج والتبعيوية: المخلوق بطبيعته كائن محتاج ناقص أوجد من عدم، بينما الله عز وجل هو "واجب الوجود" بذاته، والغني عن كل ما سواه. إذن، لا يصح لغة ولا عقلاً إطلاق وصف المخلوقية أو إيجاد الذات على الواجب المطلق.

المنهج القرآني والنبوي في قطع دابر الوساوس

لقد تنبأت الشريعة الإسلامية لطبيعة النفس البشرية وفضولها المستمر تجاه تتبع سلاسل الأسباب والنتائج. وفي هذا السياق، وضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم توجيهات منهجية وعلاجية حاسمة لمن يقع في هذه الخواطر.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا: خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد شيئاً من ذلك فليقل: آمنت بالله». وفي رواية أخرى التوجيه بالاستعاذة بالله والانلهاء عن الاسترسال في هذا النوع من التفكير العقيم الذي لا يقود إلا إلى الحيرة، لكونه خارج حدود طاقة العقل البشري المحدود في إدراك كُنْه الذات الإلهية الأزلية.

مفهوم "واجب الوجود" والأزلية المطلقة

لكي يستقيم الفهم، يجب التمييز بين نوعين من الموجودات:

  1. ممكن الوجود (المخلوقات): وهي التي يفتقر وجودها إلى علة خارجية أوجدتها (الكون، الإنسان، الكواكب)، فكل حادث لا بد له من مُحدث.

  2. واجب الوجود (الخالق): وهو الله سبحانه وتعالى، الذي وجوده من ذاته ولا يقبله العدم، وهو "الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء". وبما أنه "الأول"، فلا معنى للسؤال عن بداية لبدايته؛ لأن طرح سؤال "من خلق الخالق؟" أو "هل خلق نفسه؟" يقلب الخالق الأزلي إلى مخلوق حادث، وهذا خطأ منهجي في تعريف الإله الحق.

خطاب قوي للدكتور هيثم طلعت

هذا الفيديو يناقش بعمق استدلالات العقل البشري في إثبات أن الله هو الخالق الأحد الذي لم يخلقه أحد وأزلية وجوده سبحانه.

الاستنتاج العقلي والمنطقي واستحالة التسلسل

استحالة خلق الذات

يُعدّ افتراض أن الله قد خلق نفسه تناقضاً منطقياً صريحاً لا يقبله العقل السليم؛ فعملية "الخلق" تستوجب بالضرورة وجود كائن حي وموجود بالفعل ليقوم بفعل الإيجاد. فإذا فرضنا أن الذات الإلهية كانت معدومة ثم خلقت نفسها، فهذا محال؛ لأن المعدوم لا يمكن أن يكون فاعلاً أو موجداً لأي شيء لكونه لا يملك أي صفة من صفات الوجود. وإذا فرضنا أنها كانت موجودة مسبقاً، فلا داعي لخلقها من جديد. من هنا يتضح أن صفة "الخالق" تنقض تماماً وصفة "المخلوق" في حق الله عز وجل.

مفهوم الواجب الوجود والممكن الوجود

يقسم العقل الموجودات إلى قسمين أساسيين:

  • ممكن الوجود: وهو كل ما احتجنا لوجوده إلى سبب خارجي، مثل الكون والمخلوقات التي تتطلب خالقاً يبرزها من العدم إلى الوجود.

  • واجب الوجود: وهو الخالق سبحانه وتعالى؛ فوجوده ذاتي لازم له ولا يقبل العدم، وهو غير مسبوق بعلة أو بداية، ولولا وجود خالق واجب الوجود تنتهي إليه سلسلة الأسباب، لدخلنا في "التسلسل والدور" المحالين عقلاً ومنطقياً، ولما استقر وجود لأي شيء في هذا الكون.

الخلاصة الإيمانية

إن الله تعالى هو "الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء". لذا فإن توجيه مثل هذه الأسئلة الافتراضية يُعدّ من الوساوس التي يجب على الإنسان دفعها باليقين والعلم، والاعتماد على التسليم بالحقائق العقلية والشرعية التي تكفل راحة النفس وطمأنينة القلب بعيداً عن التعقيدات العبثية التي لا تزيد الإدراك إلا لبساً ووهمًا.

هل ترغب في التعرف على المزيد من الأدلة العقلية المتعلقة بإثبات وجود الخالق سبحانه وتعالى؟