مقدمة وتوطئة مفهومية حول إشكالية الذات والإدراك الإلهي
يُعدّ البحث في كنه الذات الإلهية وأسماء الله وصفاته من أعظم الموضوعات التي شغلت عقول المفكرين والعلماء عبر التاريخ الإسلامي والعقدي. وحين يطرح التساؤل المثير للفضول: "لماذا لم يصف الله نفسه؟"
ولكن، إن أردنا توجيه هذا التساؤل نحو معناه العميق والدقيق، فإن المقصود الحقيقي هو: لماذا يعجز العقل البشري عن إدراك حقيقة الذات الإلهية وكيفيتها بشكل كامل؟
حدود العقل البشري وقاصرة الإدراك أمام المطلق
لقد فطر الله الإنسان وجعل إدراكه مرتبطاً بعالمه المحسوس والمحدود بالزمان والمكان. فالعقل البشري، مهما بلغت طاقاته من ابتكار وتفكر، يظل كائناً مخلوقاً محكوماً بقوانين الفيزياء والمنطق التجريبي. وحين يمحص العقل في محاولة لتخيل أو تصور "كيفية" الذات الإلهية المطلقة التي لم تسبق ببدء ولا يعقبها انتهاء، فإنه يصطدم فوراً بحاجز عجزه الذاتي.
فالعقل لا يستطيع أن يتصور شيئاً إلا بناءً على تجاربه المسبقة أو نظائره، ولأن الله سبحانه وتعالى:
الحكمة العقدية والتربوية من الاكتفاء بالصفات دون الكيفية
إن معرفة الله سبحانه وتعالى لعباده لم تقم على أساس إحاطة العقل بالذات، بل قامت على ركيزتين أساسيتين:
التعريف بالآثار والأفعال:
من خلال التأمل في بديع خلق السماوات والأرض، ودقة النظام الكوني الذي يدل على الخالق بحكمة بالغة. التعريف بالأسماء والصفات:
بتنزيل الوحي الذي يخبرنا فيه الباري عن صفاته كالرحمة، العلم، القدرة، الحكمة، والعدل، لكي يتعلق القلب به محبةً وخوفاً رجاءً.
ولو أن الله سبحانه وتعالى ترك للناس المجال لخوض غمار "كيفية" الذات، لانشغلوا بما لا يحيطون به عن الغاية الكبرى من خلقهم، وهي عبادته وإعمار الأرض وفق مرضاة. فالإنسان مطالب بالإيمان القلبي والتسليم العقلي بما ورد في النصوص الشرعية من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهو المنهج الأصيل الذي سار عليه أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات.
هل ترغب في أن ننتقل في الجزء التالي من المقال إلى تفصيل المناهج الفلسفية والكلامية في التعامل مع هذه المسألة؟
الخاتمة: الحكمة العميقة والتسليم العقلاني
في ختام رحلتنا الفكرية حول ميزان العقل والنقل في إدراك الذات الإلهية، يتجلى لنا أن حقيقة الخالق أعظم بكثير من أن تحيط بها أداة بشرية محدودة.
"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"
نقاط مركزية في فهم الذات الإلهية:
قصور المدارك:
العقل البشري مُصمم للتعامل مع المحسوسات، بينما الخالق منزه عن الزمان والمكان والمثال. مرجعية الوحي:
الاعتماد الكلي على ما ورد في القرآن والسنة الصحيحة من أسماء وصفات دون تكييف أو تحريف. السلامة العقدية:
الوقوف عند ما حدده الشرع يحمي الفكر من التخبط في متاهات الفلسفات الضالة والتجسيم المرفوض.
رؤية استنتاجية
إن إدراك العجز عن الإحاطة التامة بكنه الذات الإلهية هو عين المعرفة الحقيقية. فبدلاً من استنزاف الطاقات الفكرية فيما لا تطيقه المدارك، توجيه هذا الفهم نحو تدبر الآيات الكونية والشرعية هو الطريق الأقصر لبناء اليقين واستقامة الروح.
هل ترغب في أن نستعرض معاً كيف تناولت الفلسفة الإسلامية القديمة مسألة إثبات الصفات الإلهية مقارنة بالعقل الحديث؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.