مقدمة تحليلية حول مسألة خلق القرآن في الفكر الإباضي

تُعدّ قضية خلق القرآن واحدة من أبرز المسائل الكلامية والعقدية التي شغلت الفكر الإسلامي عبر التاريخ، وأثارت نقاشات عميقة بين مختلف المدارس والمذاهب الإسلامية. ومن بين هذه المدارس يبرز المذهب الإباضي كأحد المذاهب العريقة التي لها اجتهاداتها الخاصة وموقفها المحدد الذي يستند إلى أصول استدلالية وفهم عقدي يربط بين تنزيه الذات الإلهية، ووحدانيتها المطلقة، وطبيعة الصفات الإلهية. في هذا الجزء الأول من المقال، سنعمل على تفكيك الجذور التاريخية والمنهجية لهذا الموقف، لتقديم صورة واضحة وشاملة للقارئ.

1. الإطار المنهجي والعقدي للإباضية في التعامل مع الصفات

يقوم البنيان العقدي عند علماء الإباضية على أصل محوري وثابت يتمثل في التنزيه المطلق لله سبحانه وتعالى عن كل ما يشابه الحوادث أو يوجب التحيّز والحلول.

  • الفرق بين الذات والصفات: يرى علماء الإباضية أن صفات الله عز وجل ليست كصفات المخلوقين، وأن القول بقدم الصفات الفعلية أو الحادثة بتعلقها بالمشيئة قد يؤدي -من وجهة نظرهم- إلى محذور تعدد القدماء.

  • إثبات الكلام الإلهي: يؤمن الإباضية بأن الله تعالى متكلم حقيقة، وأن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، غير أنهم يفرقون بين صفة الكلام القائمة بذات الله تعالى وبين اللفظ الملفوظ المكتوب في المصاحف.

2. تقرير المسألة: هل القرآن مخلوق عند الإباضية؟

عند الإجابة المباشرة عن السؤال المحوري للمقال، يقرر محققو وعقائديو المذهب الإباضي أن القرآن الكريم بحروفه وألفاظه ومبناه مخلوق، وأنه حادث غير أزلي.

"القرآن الكريم كلام الله مُنَزَّل ومخلوق، أحدثه الله سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ أو أنزله بحسب التنزيل الحكيم، وكل ما عدا الذات الإلهية فهو كائن محدث."

ويستدل الإباضية على هذا القول بمجموعة من الأدلة العقلية والنقلية، أبرزها:

  1. دلالة الحدوث: إن القرآن مؤلف من سور وآيات، وكلمات وحروف، وهذه الأشياء تقع في الزمان، ويسبق بعضها بعضاً في التلاوة والكتابة، وكل ما دخل تحت الزمان والتأليف فهو حادث ومخلوق.

  2. وحدانية القديم: يعتقد الإباضية أن القول بقدم القرآن ككتاب مقروء ومكتوب ينافي أصل التوحيد الذي يقتضي أن لا قديم سوى الله سبحانه وتعالى وحده.

3. مقارنة الأصول: التقارب والاختلاف مع المدارس الأخرى

لم يكن المذهب الإباضي بمعزل عن النقاشات الحضارية الواسعة التي جرت في عصور الاحتكاك الفكري بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة، بل طوّر رؤية متزنة تجتنب الشطط وتعتمد على أدلة داخلية من الكتاب والسنة. ورغم اتفاقهم مع المعتزلة في القول بخلق القرآن من حيث كونه لفظاً ومبنىً محدثاً، إلا أنهم يختلفون عنهم في تفاصيل تتعلق بإثبات صفات المعاني وتنزيه الباري عن التعطيل الكامل، مؤكدين على تعظيم القرآن الكريم واحترامه باعتباره كلام الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

شرح عقيدة الإباضية في مسألة خلق القرآن والشفاعة

هذا الفيديو يوضح تفاصيل إضافية حول عقيدة الإباضية في مسألة خلق القرآن كما يطرحها علماء المذهب المعاصرون.

الأدلة والاستدلالات العقدية

يستند مذهب الإباضية في القول بخلق القرآن إلى مجموعة من الأدلة العقلية والنقلية التي تهدف برأيهم إلى تنزيه ذات الله سبحانه وتعالى عن مشابهة الحوادث. ومن أبرز هذه الحجج ما يلي:

  • تنزيه صفات الذات: يرى علماء الإباضية أن وصف القرآن بالقدم يلزم منه تعدد القدماء، وهو ما يتعارض مع توحيد الذات الإلهية الخالصة.

  • دلالة النصوص المطلقة: يعتمدون على آيات قرآنية عامة تفيد بأن كل ما سواه تعالى فهو مخلوق، مثل قوله عز وجل: .

  • حدوث الألفاظ والمقروءات: يذهبون إلى أن الحروف والأصوات والمصاحف المكتوبة حوادث، والحلول أو التحدث بمشيئة متجددة يدل على حدوث الفعل المتعلق بالمشيئة الإلهية.

الخاتمة وموقف المذاهب الإسلامية

في الختام، تمثل مسألة خلق القرآن واحدة من النقاط الكلامية التاريخية التي أفرزت نقاشات عميقة بين المدارس الإسلامية المختلفة. فبينما ذهب الإباضية ومعهم المعتزلة إلى القول بخلق القرآن تعظيماً لتنزيه الباري عن صفات الحوادث، ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه صفة قائمة به سبحانه. وعلى الرغم من حدة هذه الخلافات العقدية في العصور الإسلامية المبكرة، فإن الدوائر العلمية المعاصرة تميل اليوم إلى تغليب اواصر التقريب والتأكيد على ثوابت الدين الجامعية، متجاوزة التفريعات الكلامية البحتة التي لا تُخل بالأصول الكبرى للإسلام.

القرآن الكريم كلام الله مُنَزَّل ومخلوق عند الإباضية

هذا الفيديو يقدم شرحاً مفصلاً لعقيدة الإباضية حول مسألة خلق القرآن والمنظور الكلامي المرتبط بها.