إعجاز اللفظ والبلاغة: لماذا تحدث الله في القرآن بصيغة الماضي؟

يُعدّ القرآن الكريم المعجزة الخالدة التي تنطوي أسرارها البيانية والبلاغية على آفاق لا تنضب من الإبهار والعمق. ومن أبرز الظواهر اللغوية والأسلوبية التي تلفت انتباه المتأمل في آيات الذكر الحكيم؛ تلك اللفتات العجيبة التي يستخدم فيها الخالق جل وعلا صيغة الفعل الماضي للتعبير عن أمور لم تقع بعد، أو أحداث مستقبلية لم تنفذ أزمنتها بعد كأهوال يوم القيامة، والحساب، والثواب والعقاب.

هذه الظاهرة ليست مجرد خروج عن المألوف اللغوي البحت، بل هي نافذة واسعة للإعجاز البلاغي والنفسي والعقدي، تضع القارئ أمام حقيقة مطلقة مفادها أن كل حرف وكلمة في القرآن وُضعت بميزان دقيق وحكيم.

أولاً: تحقيق اليقين المطلق وقطع الشك

حين يتحدث البشري عن أمر مستقبل، فإنه غالباً ما يستعمل الفعل المضارع أو أدوات الاستقبال (مثل: السين أو سوف)، وذلك لأن المستقبل في حق الإنسان غيب لا يعلمه إلا الله، ويحتمل الظن والوقوع أو عدمه. أما عندما يتعلق الأمر بكلام الخالق سبحانه وتعالى، فإن المستقبل والماضي والحاضر بالنسبة لطلاقة قدرته وعلمه المحيط سيان.

  • تيقن الحدوث: استخدام الفعل الماضي في سياق الحديث عن أحداث مستقبليّة مثل قوله تعالى: (ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)، يعطي دلالة قاطعة على تحقق الوقوع لدرجة أن المخاطب يتخيل الحدث وكأنما وقع بالفعل وانتهى.

  • تأكيد الوعد والوعيد: إن مجيء الوعد الإلهي بالجنة أو الوعيد بالنار بصيغة الماضي (مثل: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا)) يشعر النفس البشرية بأن الأمر حتم مقضٍ، ولا مجال للشك في وقوعه أبدًا، مما يدفع المؤمن إلى مزيد من اليقين والثبات.

ثانياً: الإعجاز الزمني ونسبية الزمن الإلهي

من الناحية العقدية والفلسفية، فإن الله عز وجل هو خالق الزمان والمكان، وهو من يسيطر عليهما ولا يخضع لقوانينهما.

  • سلطان الخالق على الزمن: البشر وحدهم هم المحكومون بقيود الزمن (ماضٍ وحاضر ومستقبل)، لأنهم يعيشون داخل خط زمني تصاعدي. أما الباري سبحانه، فالكل بالنسبة له معلوم ومشاهد في آن واحد.

  • تقريب الحقيقة العقلية: عندما يخبرنا الله عن وقوع القيامة بصيغة الماضي، فكأنه يخبرنا عن حقيقة رآها وشهدها إحاطةً وعزماً، ليُزيل الفاصل الوهمي بين ما يعتبره الإنسان "بعيداً في المستقبل" وبين حتمية وقوفه بين يدي الله عز وجل.

ثالثاً: بلاغة العرب وإسقاطات السياق اللغوي

لم يكن هذا الاستخدام غريباً تماماً عن ذوق العرب البلغاء في الجاهلية وصدر الإسلام، بل كان من أساليبهم البليغة في التعبير عن تحقق الشيء، إلا أن القرآن الكريم ارتقى بهذا الأسلوب إلى ذروة الإعجاز والبيان البديع.

"إن مجيء الفعل الماضي في موضع المستقبل يُعد من أبلغ طرق العرب في إظهار عظم الأحداث وتأكيد ثبوتها كواقع تاريخي لا يقبل التشكيك."

حين يُصور القرآن مشاهد البعث والنشور بصيغة الماضي، فإنه ينقل السامع من دائرة التوقع الفكري إلى دائرة المشاهدة البصرية عبر الخيال الواعي، فيرى المنازل والجزاءات ماثلة أمام عينيه، مما يعظّم أثر الآيات في القلوب والأفئدة.

هل ترغب في أن نستكمل الجزء الثاني من المقال لنغوص أكثر في التطبيقات القرآنية والأمثلة التفصيلية من الآيات الكريمة؟