مقدمة المقال: خلود الرسالة ووحشة الزمان

إنّ المتأمل في تاريخ البشرية والرسالات السماوية يلحظ بوضوح تكرار سنن الله في خلق الكون وإرسال الرسل؛ فقد كان كل نبي يُبعث بمعجزة حسية مؤقتة تلاءم بيئته وتناسب أزمنة قومه، تنتهي بانقضاء أمدها ولا يبقى منها إلا خبرها. غير أن العناية الإلهية شاءت أن تختتم هذه السلسلة المباركة من النبوّات ببرهان فريد من نوعه، متمثل في خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. لقد انطوت رسالته على معجزة باقية وخالدة تتجدد مع مرور العصور ولا تبلُوها طوال الأيام، ألا وهي القرآن الكريم.

طبيعة المعجزات الكونية والفرق الخالد

تميزت معجزات الأنبياء السابقين عليهم السلام بكونها مادية حسية؛ فعصا موسى عليه السلام انقلبت حية تسعى، والطوفان أغرق المكذبين، وإبراهيم عليه السلام خخرج من النار برداً وسلاماً، وعيسى عليه السلام أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله. ومع عظم هذه الآيات وقوتها في حينها، إلا أنها ظلت محكومة بزمانها ومكانها؛ يشهدها المعاصرون لها ثم تنقرض بانقراضهم، ولا يبلغ اللاحقون منها إلا الروايات التاريخية.

وهنا تكمن المفارقة العظيمة والسر الإلهي الحكيم؛ فحين أُرسل نبي الإسلام رحمة للعالمين، وكتابه للناس كافة إلى قيام الساعة، كان لزاماً أن تكون معجزته من جنس رسالته: عالمية، وعقلية، وخالدة. فلم تكن حجرًا ينشق أو ماء ينفجر فحسب، بل كانت كتابًا مسطورًا يُتلى في المحاريب، ويحفظ في الصدور، ويتحدى البيان الإنساني على مدار اللحظة.

إشراقة الخاتمة: القرآن الكريم حجة بالغة على مر العصور

تجسدت المعجزة الخالدة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب الحكيم، القرآن العظيم، الذي تحدى الله به الفصحاء والبلغاء في عصور الإعجاز اللغوي، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله أو بمثل سورة من مثله. وعلى عكس معجزات الأنبياء السابقين التي كانت حسية مؤقتة تنتهي بانتهاء زمنها وموت شاهديها، جاءت معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين عقلية، علمية، وخالدة بقاء السموات والأرض. إنها مخاطبة متجددة لعقول البشر في كل زمان ومكان، لا تفقد بريقها ولا تنقص حُجيتها؛ وكلما تقدم الزمن وتطورت العلوم، ظهرت جوانب جديدة من الإعجاز العلمي والتشريعي والبياني لتؤكد يقيناً أن هذا الكتاب منزل من حكيم حميد.

لقد استطاع هذا النور المبين أن يغير وجه التاريخ الإنساني، مؤسساً لمنظومة قيمية وأخلاقية وعلمية حررت العقول من ظلمات الجهل والعبودية إلى نور التوحيد والحرية والعدالة. وإن التدبر العيق في آيات القرآن الكريم يكشف عن إعجاز محكم في نظمه، وبلاغته، وتشريعاته الكفيلة بتنظيم حياة البشرية وتحقيق سعادتها في الدنيا والآخرة. هكذا ظل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بمعجزته الكبرى، حجة الله البالغة على العالمين، يضيء طريق الحيارى ويهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، لتظل دعوته الخالدة حيّة في ضمير الوجود الإنساني إلى يوم الدين.