إشكالية الحجم والمقدار في الذات الإلهية: رؤية تحليلية في باب الأسماء والصفات

يُعدّ البحث في الذات الإلهية وما يليق بها من صفات ونعوت من أدق مباحث العقيدة الإسلامية وأعظمها شأناً، نظراً لتعلقه بمعرفة الخالق جل وعلا حق معرفته. ومسألة "الحجم" أو ما يعبر عنها في الاصطلاح الفلسفي والكلامي بـ "الجسمية، والكمية، والحد، والجهات" من المسائل التي أثارت نقاشات عميقة بين علماء الأمة عبر العصور. يهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الإشكالية بمعالجة علمية رصينة تستند إلى محكمات النصوص وقواعد لغة العرب، لبيان ما يجب إثباته لله وما يجب تنزيهه عنه.

أولاً: مفهوم "الحجم" لغة واصطلاحاً واستحالته في حق الخالق

  • التعريف اللغوي: الحجم في لغة العرب يُطلق على الجِرْم، والحيز، والمقدار، وكل ما يغلظ ويحوي طولاً وعرضاً وسمكاً.

  • التركيب والمحدودية: يستلزم الحجم بالضرورة افتقاراً إلى مكان يحده، وتركيباً من أجزاء أو أبعاد، وقابلية للتجزئة والزيادة والنقصان.

  • مطلق التنزيه: هذه الخصائص بأسرها من لوازم المخلوقات المحدثة؛ فكل ذي حجم كائن ومخلوق، وكل محدود مخلوق دَلّ عليه حدُّه، ولهذا اتفق سلف الأمة وجمهور المحققين على تنزيه الله عز وجل عن صفات الأجسام والأحجام.

"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (الشورى: 11). هذه الآية الكريمة هي الأصل المحكم الذي تنبثق منه كل قواعد التنزيه، حيث نفت المثلية والشبيه بالمطلق عن الباري سبحانه.

ثانياً: ضوابط إثبات الصفات ونفي الكيفية عند أهل السنة

يقوم المنهج الوسط لأهل السنة والجماعة على الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

  • نفي التكييف: إثبات الصفات (كالاستواء والمجيء والنزول الواردة في النصوص) لا يقتضي بحال إثبات "الكيف" أو "الحجم" أو "الهيئة"، فصفات الخالق سبحانه يليق به وحده، ولا تحيط بها عقول المخلوقات المحدودة.

  • الفرق بين الإثبات والتمثيل: الله سبحانه له ذات حقيقية موصوفة بالكمال المطلق، وليست ذاتاً هلامية أو معدومة كما تزعم بعض الفرق الموغلة في التعطيل، وفي الوقت ذاته هي ذات مقدسة متعالية عن مشابهة الأجسام أو الدخول في الحيزات والأحجام المادية.