مقدمة عامة حول مكانة الاستغفار
يُعدّ الاستغفار من أعظم العبادات وأجلّ القربات التي تقرّب العبد إلى خالقه سبحانه وتعالى؛ فهو ليس مجرد كلمات تُرتّب على اللسان عند وقوع المعصية فحسب، بل هو حالة إيمانية مستمرة، ونبض قلبي دائم, يحيي النفوس، ويطهر القلوب، ويجلب الرزق، ويدفع البلاء. وقد ورد الحث على الاستغفار في مواضع كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مما يدل على أهميته البالغة في حياة المسلم اليومية، فهو مفتاح للفرج، وسبب لمغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، ونيل رضا الرحمن جل جلاله.
وفي عصرنا الحاضر، ومع التطور الهائل في وسائل الاتصال والإعلام، وتعدد الشاشات والمشتتات التي تحيط بالإنسان من كل جانب – وفي مقدمتها التلفزيون والأجهزة الذكية – تطرح تساؤلات عديدة حول كيفية الجمع بين الانشغال بهذه الوسائل وبين استغلال الأوقات في الطاعات. ومن أبرز هذه التساؤلات التي يطرحها الكثير من الراغبين في استدراك أوقاتهم: هل يجوز الاستغفار عند مشاهدة التلفزيون؟ وما هو الحكم الشرعي والآداب المرتبطة بهذه المسألة؟
المفهوم الواسع للاستغفار في الشريعة الإسلامية
لفهم حكم الاستغفار في مثل هذه الأحوال، لا بد أولاً من إجلاء مفهوم الاستغفار وسعته في الشريعة الإسلامية الغراء. فالاستغفار لغةً هو طلب المغفرة، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه مع الوقاية من شره. واصطلاحاً، هو طلب العفو والستر من الله عز وجل مع الإقرار بالذنب والندم على ما سلف والعزم على عدم العودة.
ومن رحمة الله تعالى بعباده وسعة فضله أن جعل العبادات القولية – كاستغفار، وذكر، وتسبيح، وحوقلة، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم – من أيسر العبادات وأوسعها باباً. فهي لا تشترط لش صحتها أو قبولها طهارة كبرى بالضرورة في كل أحوالها، ولا تستدعي خلوة تامة أو مكاناً خاصاً، بل هي مشروعة في كل حين، وعلى أي حال، قياماً وقعوداً وعلى جنوب، لقوله تعالى في وصف أولي الألباب:
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
وهذا النص القرآني الكريم يضع لنا قاعدة ذهبية، وهي أن ذكر الله تعالى بشتى صوره، ومنه الاستغفار، يرافق المسلم في منقوشات حياته اليومية وحركاته وسكناته، ما دام الإنسان في وضع لا ينافي تعظيم اسم الله تعالى أو ذكره في مكان طاهر لائق.
أدلة فضل الاستغفار المطلق ووقت مشروعيته
لقد دلّت النصوص الشرعية على استحباب إكثار المسلم من الاستغفار في كل وقت، دون تقييده بزمن محدد أو هيئة خاصة، إلا ما استثنته الشريعة بخصوصيات معينة (كحالة قضاء الحاجة مثلاً). ومن هذه الأدلة:
الإطلاق القرآني: قال الله تعالى في سورة نوح حكاية عن نبيه نوح عليه السلام: فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً. فجعل الاستغفار دعوة مفتوحة لكل وقت وحين لجلب الخيرات.
سنة النبي صلى الله عليه وسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يستغفر الله في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة، كما ورد في الحديث الصحيح. وكان استغفاره يتخلل أحواله المختلفة.
سعة فضل الله: إن الله تبارك وتعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. وهذا يدل على أن باب الاستغفار مفتوح على مصراعيه لجميع العباد في أي لحظة ينيبون فيها إلى ربهم.
طبيعة الانشغال بمشاهدة التلفزيون: نظرة تحليلية
لكي نضع الاستغفار في نصابه الصحيح أثناء مشاهدة التلفزيون، يجب أولاً تقييم طبيعة ما يُشاهد والهدف منه، إذ إن التلفزيون ليس كتلة واحدة متجانسة، بل هو نافذة تطل على محتويات متعددة ومتنوعة تتراوح بين:
البرامج النافعة والهادفة: كالقنوات الدينية التي تبث القرآن الكريم، أو المجالس العلمية، أو البرامج الوثائقية والثقافية والتعليمية التي توسع مدارك الإنسان وتزيد من معرفته بعوالم الله سبحانه وتعالى.
المحتويات المباحة والترفيهية العادية: كالأخبار، والمسلسلات الهادفة، والبرامج الترفيهية الخالية من المحرمات أو الملهيات الضارة.
المحتويات المحرمة أو المكروهة: كالمشاهد الخليعة، أو البرامج التي تروج للعنف، أو الغيبة والنميمة، أو المجون، أو ما يصرف عن الفرائض ويلهي عن ذكر الله بشكل كلي ومطبق.
وعليه، فإن حكم وموقف الاستغفار يختلف باختلاف هذا المحتوى وحال المشاهد نفسه، وهو ما سنفصله بمزيد من الدقة والبيان في الجزء الموالي من هذا البحث.
آداب الاستغفار المرتبطة بالمحتوى المرئي
خلاصة القول في حكم الاستغفار أثناء مشاهدة التلفاز تدور حول طبيعة المادة المعروضة على الشاشة.
البرامج النافعة والمباحة:
إذا كانت المادة المعروضة برامج تثقيفية، وثائقية، أو أخباراً عامة خالية من المحظورات، فلا حرج البتة في إشغال اللسان بالاستغفار والذكر لملء أوقات الفراغ بالخير. المحتوى المحرم أو الماجن: يتعارض الاستغفار شرعاً وعقلاً مع مشاهدة المنكرات الظاهرة، كالمشاهد المحرمة، أو الموسيقى الصاخبة، أو مجالس الغيبة والنميمة؛ إذ لا يصح استغفار العبد بلسانه بينما بصره وقلبه معلقان بمعصية الله.
"ينبغي للمسلم أن يكون حريصاً على حضور القلب واستحضار عظَمة الله عند مناجاته، وألا يجعل الذكر عادة رتيبة تفقد معناه الحقيقي في التدبر والتوبة الصادقة."
الخاتمة والثمرة المستفادة
في ختام هذا الطرح، يمكننا التأكيد على أن الاستغفار طوق نجاة وباب رزق ومحفز للبركة، واستغلال الأوقات العابرة به يعد من صفات عباد الرحمن الأكياس. غير أن كمال الأدب مع الخجل والحياء من الله يتطلب تكييف الأذكار بحسب الحال؛
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.